نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٢ - الشرح والتفسير نهار المتّقين
واضحة على هذه الحقيقة وهي أنّ تقوى هؤلاء المتّقين ليست منفصلة عن المجتمع قط، بل تقواهم مقرونة بالعلم والمعرفة والإدارة وتحمل المسؤوليّة والإحسان والعيش في وسط المجتمع.
«حُلَمَاءُ»:
من ماده «حلم» التي تعني حسب (الراغب) ضبط النفس حين الغضب، ولما كانت هذه الحالة نابعة من العقل فإنّ مفردة الحلم تستعمل أحياناً بمعنى العقل ومن هنا تُطلق كلمة الحليم على من يتمالك نفسه عند الغضب وعلى العالم أيضاً.
وقال علماء الأخلاق أنّ صفة الحلم تمثّل حالة الإعتدال بين الصفتين الرذيلتين؛ إحداهما الذلّة والأخرى المفرطة وهي الغضب.
على كلّ حال فإنّ هذه الصفة غالباً ما تظهر حين التعامل مع الجهّال فيضطر الحليم إلى مداراتهم بحيث لا يُستغل علهم يفيقون إلى أنفسهم ويكفون عن جهلهم.
والتعبير بالعلماء لا يقتصر على أولئك الذين انفتحوا على العلوم المعروفة بل يشمل الأفراد ممن لهم اطلاع ومعرفة واسعة وقدرة على إدراك الحقيقة.
والعبارة:
«قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ»
ليس المراد منها أنّ المتّقين ضعيفو البنية خشية المسؤوليّة، بل المراد أنّ تلك الخشية جعلتهم أكثر فاعلية وحسماً في القيام بوظائفهم، ذلك لأنّ السهم حين يبرى ليصيب الهدف يكون انطلاقه أفضل وحدته أعظم.
والتعبير
«يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى»
إشارة إلى أنّ العلماء الحلماء والمتّقين الأبرار يبدون في أعين السذج من الناس كأفراد ضعيفي الإرادة وغير جادين في قراراتهم.
ومن هنا نرى رمي الأنبياء من قبل أممهم بتهمة الجهل والجنون، سيما أنّهم لا يشابهون سائر قومهم، فمن لم يكن مثلهم يرونه مجنوناً لأنّه يخالف عاداتهم وعقائدهم بينما الواقع هم المجانين.