نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٩ - الانسحاب من الفتن
وَلَجَهَا. فَاسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ وَعُوا [١]، وأَحْضِرُوا آذَانَ قُلُوبِكُمْ تَفْهَمُوا».
نعم، فالإمام عليه السلام حين يتكهن بحوادث المستقبل المريرة وظلمات الفتن يشير إلى سبيل النجاة فيقول: إنّكم إنّما تنجون من شر الأشرار والفتن التي يثيرها المفسدون إن سمعتم ما أقول لكم وحفظتموه وفكرتم فيه كما ينبغي.
وقد شبّه الإمام عليه السلام نفسه هنا بالسراج المنير في أمواج الظلمة ثم أمر الناس بالاستضاءة بنور هذا السراج، فقد أمر أولًا بسماع كلامه وحفظه ثم أردفه بالأمر للتعمق به وإدراك حقيقته (وهذا هو الفارق بين مفهوم العبارة
«فَاسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ وَعُوا»
، والعبارة
«وأَحْضِرُوا آذَانَ قُلُوبِكُمْ تَفْهَمُوا»
حيث الأولى سماع وإدراك وحفظ والأخرى دقّة وتعمق).
تأمّل
الانسحاب من الفتن
أحياناً تظهر في المجتمعات البشريّة بعض الفتن التي لا يقوى الأفراد المؤمنون على مواجهتها، كما لا يستطيعون تشكيل خلية للوقوف بوجهها وليس للأفراد الذين يقفون مباشرة إزاء هذه الفتن ويقتحمونها من مصير سوى الهزيمة والانكسار.
فأفضل سبيل في ظلّ هذه الظروف هو الانسحاب من أمام سيول الفتنة والتربص بالفرصة المناسبة بغية مواجهتها، وبالطبع فإنّ الاجراءات المتهورة لا تنطوي على نتيجة سوى التضحية بالطاقات والقضاء على الفرص المستقبلية، وهذه هي فلسفة النهي عن النهضات في عصر أئمّة العصمة عليهم السلام وهذا في الواقع فرع من فروع التقية التي تهدف إلى حفظ القوى واستغلالها في الوقت المناسب.
فقد أكّد الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الخطبة على هذه النقطة وأكّد عليها مع أنّه أشجع فرد في الأمة ومن ابطال مواجهة أعداء الإسلام وخصوم الدعوة.
[١]. «وعى» من مادة «وعي» على وزن «سعى» بمعنى الفهم والحفظ وتحذف منها الواو حين ترد بصيغة فعل الأمر والفعل المضارع.