نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٤ - ٢ غار حراء
٢. غار حراء
يقع غار حراء على سفح جبل يعرف اليوم بجبل النور، وكان هذا الجبل خارج مكة أمّا اليوم وبسبب اتساع مكة فإنّ جبل النور وغار حرا أصبحا داخلها، ويستغرق صعود هذا الجبل ما يقارب الساعة.
والغار المذكور غار صغير يستوعب شخصين في حال الوقوف للعبادة واثنان أو ثلاثة عند الجلوس، ولكن إلى جانبه موضع واسع يستوعب الكثير، والجدير بالذكر أنّ جانبي الغار مفتوحان ليدخله هواء لطيف، بحيث لايشعر الإنسان بالحرارة الشديد في فصل الصيف، وبغض النظر عمّا سبق فهو موضع للاختلاء والمليىء بالمعنويات.
وكان صلى الله عليه و آله قبل البعثة وأحياناً حتى بعد البعثة يذهب إلى غار حراء بعيداً عن ضوضاء الجاهلية وعبادة الأصنام والخرافات السائدة في ذلك العصر، فيناجي اللَّه ساعات وأيّاماً في ذلك الغار، ويفكر في خلق السماوات والأرض؛ والغريب أنّ من يدخل الغار ويتجه إلى الشمال فإنّه يستقبل الكعبة وبيت المقدس.
ويستفاد من بعض الروايات أنّه صلى الله عليه و آله كان يذهب إلى غار حراء حتى بعد النبوّة ليبتعد عن أذى المشركين ويخوض في عبادة اللَّه ومناجاته وكان معه أحياناً علي عليه السلام وخديجة عليها السلام، ونعلم أنّ الوحي كان أوّل نزوله عليه هناك.
قال ابن أبي الحديد في شرحه: وأمّا حديث مجاورته صلى الله عليه و آله بحراء فمشهور وقد ورد في كتب الصحاح أنّه كان يجاور في حراء من كلّ سنة شهراً، وكان يطعم في ذلك الشهر من جاءه من المساكين فإذا قضى جواره من حراء كان أوّل ما يبدأ به إذا انصرف أن يأتي باب الكعبة فيطوف سبعاً ثم يرجع إلى بيته، حتى جاءت السنة التي أكرمه اللَّه فيها بالرسالة، فجاور في حراء ومعه أهله خديجة وعلي ابن أبي وطالب وخادم له. فجاءه جبرئيل بالرسالة.
(إنّ هذا الحديث يبدو إشارة إلى النزول الدفعي للقرآن على النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله في شهر رمضان؛ ولا ينافي النزول التدريجي في ٢٧ من رجب) [١].
[١]. شرح نهجالبلاغة لابن أبيالحديد، ج ١٣، ص ٢٠٨.