نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٧٦ - الشرح والتفسير السياسة الآثمة
تدبير مفعم بالورع والتقوى، وبالتالي فهي سياسة رحمانيّة، وفي الواقع تتفاوت السياستين وتبعاً لذلك تتفاوت نتائجهما.
والسياسة بالمعنى الأوّل لا تعرف من حد خلقي وديني وإنساني ووجداني، وتقضي على كلّ قانون أو مبدأ أو ضابطة تشكل خطراً عليها، على غرار ما نلاحظه اليوم في عالم السياسة الذي يحكم الشرق والغرب.
أمّا الصنف الثاني فتخضع فيه السياسة لأطر معينة حدودها القيم والمثل الدينيّة والإنسانيّة والوجدان والضمير؛ فهي لا تعتمد الظلم والجور والمعصية قط سيما تجاه العزل من الأفراد الأبرياء؛ ولا تسمح بالغدر والخيانة والفجور ونقض العهود والمواثيق، وترفض التسلط والتوسع وبالتالي ترى وجود بعض الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها.
ومن هنا أشار الإمام عليه السلام في مواصلته لكلامه إلى أولئك الأفراد الذين انتهجوا الغدر والفجور ليعتمدوهما كوسيلة لسياساتهم فقال:
«ولكِنْ كُلُّ غُدَرَة فُجَرَةٌ، وكُلُّ فُجَرَة كُفَرَةٌ. (ولِكُلِّ غَادِر لِوَاءٌ يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)».
والعبارة:
«ولِكُلِّ غَادِر لِوَاءٌ ...»
حديث معروف عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله روته أغلب المصادر، ومنها: الشوكاني في نيل الأوطار، والبخاري في صحيحه، وقال الشوكاني:
متفق عليه [١].
ثم قال عليه السلام في اختتامه لهذا الكلام وحتى لا يتصور أحد أنّ الإمام عليه السلام بما هو عليه من نقاء القلب تنطوي عليه سياسة الغدر والمكر:
«واللَّهِ مَا أُسْتَغْفَلُ بِالْمَكِيدَةِ، ولَا أُسْتَغْمَزُ [٢] بِالشَّدِيدَةِ».
وهذا الكلام في الواقع رد على أولئك الذين يزعمون أنّه لا يمكن مواجهة أولئك الفجرة سوى من قبل أمثالهم وليس أمام الفرد المتدين سوى الوقوع في مخالبهم،
[١]. نيل الأوطار، ج ٨، ص ٧٩؛ وصحيح البخاري، ج ٨، ص ٦٢ (كتاب الحيل).
[٢]. «استغمز» من مادة «غمز» على وزن «رمز» بمعنى الإضعاف وأيضاً بمعنى الضغط والكلام البذيء والمراد هنا هو المعنى الأوّل.