نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٤ - الشرح والتفسير نهار المتّقين
للمسؤوليات الاجتماعيّة.
وقد كان أئمّتنا عليهم السلام يقرون بذلك للَّهتعالى مع ما كانت لديهم من أعمال ضخمة واسعة ورغم قدسيتهم وطهارتهم، فقد ورد عن الإمام السجاد عليه السلام في دعاء أبي حمزة الثمالي تضرعه قائلًا:
«وما قَدْرُ أعْمالِنا في جَنْبِ نِعَمِكَ وكَيْفَ نَسْتَكْثِرُ أعْمالا نُقابِلُ بِها».
وجاء في كتاب الغارات عن بعض أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام أنّ أحدهم تعجب من كثرة ما ينفق ويتصدق في سبيل اللَّه فقال له عليه السلام:
«لَو أعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ قَبِلَ مِنّي فَرْضاً واحِداً لأمْسَكْتُ، ولكنّي وَاللَّهِ ما أدْري أقَبِلَ اللَّهُ مِنّي شَيْئاً أمْ لا؟» [١].
وهذا في الواقع درس لعامة الناس في عدم الاغترار بأعمالهم العباديّة والخيريّة مهما كانت كثيرة ذلك لأنّ مسألة الإخلاص صعبة ومعقدة.
وجاء في حديث آخر عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال:
«ثَلاثٌ قاصِماتُ الظَّهْرِ؛ رَجُلٌ اسْتَكْثَرَ عَمَلَهُ، ونَسِيَ ذُنُوبَهُ، وأُعْجِبَ بِرَأْيِهِ» [٢].
ثم أشار الإمام عليه السلام إلى نقطة أخرى في إطار حديثه عن مسألة نقد الذات فقال:
«اذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي، ورَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي! اللَّهُمَّ لَاتُؤَاخِذْنِي بِما يَقُولُونَ، واجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ، وَاغْفِرْ لي مَا لَايَعْلَمُونَ!».
وإننا لنعلم أنّ من موانع الرقي والتقدم نحو اللَّه وفي المجتمع البشري هو مدح المداحين وتملق المتملقين الذي قذف بأغلب زعماء العالم في أودية الخطأ والضلال، والمتقون يشعرون بالخوف دائماً من مدح الآخرين حذراً من أن يسوقهم إلى الغرور والعجب فيتعرضون لسخط اللَّه، فهم يسألون اللَّه أن يكونوا أعظم من ذلك المديح وإن كانت لديهم معصية خفيّة سألوه غفرانها.
[١]. الغارات، ج ١، ص ٩٠.
[٢]. وسائل الشيعة، ج ١، ص ٧٣، الباب ٢٢ من أبواب مقدمات العبادات، ح ٦.