نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٩ - الشرح والتفسير عاقبة أصحاب الدنيا
فسّرت لغوياً بهذه العبارة
«اخْذُ جَميعِ مالِهِ».
لكن
«سلب»
غالباً فسّرت بمعنى أخذ ثياب الأفراد وما في أيديهم ولذلك ورد في الحديث:
«مَنْ قَتَلَ قَتيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» [١].
وأمّا
«نَهْب»
التي وردت لغوياً بمعنى الغنيمة فربّما تكون إشارة إلى الاغتنام الجماعي، وعليه يصبح معنى كلام الإمام عليه السلام أنّ الدنيا تسلب الإنسان جميع وجوده أو جانباً منه أو قد تأتي جماعة من السلّابين ليتحكموا بالأمور فيسلبوا الناس أموالهم.
نعم، فالدنيا لو نظرنا إليها بإمعان لوجدناها ميداناً لصراع السلّابين والناهبين الذين يمارسون فيها السلب والنهب بصور مختلفة وهذا العمل لا ينتهي سوى إلى الهلكة والزوال، والحال يستعد جميع الناس إلى السفر نحو العالم الآخر وليس هنالك من يعلم بما يصيبه غداً، ثم أشار الإمام عليه السلام بثلاث عبارات أخرى إلى جانب آخر من مصائب الدنيا وعيوبها فقال:
«قَدْ تَحَيَّرَتْ مَذَاهِبُهَا، وأَعْجَزَتْ مَهَارِبُهَا [٢]،
وخَابَتْ مَطَالِبُهَا».
إشارة إلى أنّ الإنسان اليقظ كلّما حاول النجاة من مصائبها لم يكن الأمر عليه سهلًا فتشخيص سبيل الفرار منها يبدو متعذراً والأعقد منه الظفر بموضع الهروب.
وقد جربنا هذه المسألة عند الأفراد الذين يتعلقون بالدنيا ثم يصحون من غفلتهم وينوون الهروب فإنّ العديد من المشاكل تعرقل حركتهم وعليهم بذل قصارى جهدهم بغية الوصول إلى سبيل الخلاص، ثم أشار عليه السلام إلى مصير أصحاب الدنيا حين يقفون على أعتاب الموت فقال:
«فَأَسْلَمَتْهُمُ الْمَعَاقِلُ [٣]، ولَفَظَتْهُمُ [٤] الْمَنَازِلُ،
وأَعْيَتْهُمُ الْمَحَاوِلُ [٥]».
[١]. بحارالأنوار، ج ٤١، ص ٧٣، كما ورد هذا الحديث عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله في سننالبيهقي، ج ٦، ص ٣٠٧ و ٣٠٩.
[٢]. «مهارب» جمع «مهرب» على وزن «مطلب» بمعنى مكان الهروب.
[٣]. «معاقل» جمع «معقل» على وزن «مجلس» بمعنى القلعة الحصينة والملجأ.
[٤]. «لفظت» من مادة «لفظ» على وزن «حلف» بمعنى رمت ويقال لهذه الألفاظ كأنّها ترمى من الفم.
[٥]. «محاول» جمع «محالة» على وزن «حوالة» تعني الحذق وحسن التدبير والتصرف.