نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٢ - الشرح والتفسير قدرته المطلقة في خلق الكائنات
تتسلق الحائط الأملس بهذا الحمل وتلتصق أحياناً بالسقف وتواصل طريقها وهو العمل الذي يتعذر على أي إنسان بطل القيام به، أضف إلى ذلك فقد خلق لها جهازاً عظمياً يناسب طبيعتها والذي عبّر عنه الإمام عليه السلام بالدعائم، وهذا الجهاز ليس ثقيلًا بحيث يحدّ من حركتها ولا خفيفاً وظريفاً إلى الدرجة التي لا تستطيع حفظ حياتها وما بجوفها.
ثم أشار عليه السلام إلى نقطة مهمّة أخرى فقال:
«ولَو ضَرَبْتَ فِي مَذَاهِبِ فِكْرِكَ لِتَبْلُغَ غَايَاتِهِ، مَا دَلَّتْكَ الدَّلَالَةُ إِلَّا عَلَى أَنَّ فَاطِرَ النَّمْلَةِ هُوفَاطِرُ النَّخْلَةِ، لِدَقِيقِ تَفْصِيلِ كُلِّ شَيء، وغَامِضِ اخْتِلَافِ كُلِّ حَيٍّ».
أي لا تعتقدوا أنّ بنية كائن كبير كالنخلة الضخمة أعقد من بنية موجود صغير كالنملة، لأنّكم إن نظرتم بدقّة فإنّ لكليهما بنية غاية في التعقيد والدقّة وتحكم كلّ منهما قوانين معينة وتبدو عليهما الهداية الإلهيّة منذ الولادة حتى الممات بالإضافة إلى أنّ لتلك الشجرة الكبيرة أعضاء مختلفة صغيرة وكبيرة وقوية وضعيفة بحيث يؤدّي كلّ منهما وظيفة معينة تتناسب معه (وعلى هذا الضوء تتضح علاقة العلّة والمعلول في العبارات المذكورة).
وزبدة الكلام إنّ الإنسان يرى أحياناً آثاراً مختلفة من حيث الصغر والكبر لصانع اساعة التي لا يعدو حجمها سانتيمتراً واحداً وأخرى التي تبلغ بضعة أمتار، أو كتاب من بضع صفحات وآخر ذو عشرة أجزاء، فإنّ الإنسان حين يقارنها مع بعضها ويرى وحدة الأصول الكلية السائدة فيها ويقف على انسجام الآداب التي ضمها ذلك الكتاب الصغير وذلك الكبير يفهم أنّ هذين الأثرين يعودان إلى مصدر واحد وأنّ الذي أبدعهما واحد أيضاً.
ثم أشار عليه السلام إلى نقطة مهمّة أخرى لمواصلة كلامه السابق فقال:
«ومَا الْجَلِيلُ واللَّطِيفُ، والثَّقِيلُ والْخَفِيفُ، والْقَوِيُّ والضَّعِيفُ، فِي خَلْقِهِ إِلَّا سَوَاءٌ».
إشارة إلى أنّ الصغير والكبير والبسيط والمعقّد إنّما يتصور بالنسبة لموجود