نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦١ - الشرح والتفسير عاقبة أصحاب الدنيا
قد رآها خلال مدّة عمره القصيرة.
ثم اختتم الخطبة بالإشارة إلى هذه الحقيقة أنّه حين حلول الحوادث الشاقة والموت الحتمي تغلق جميع السبل فقال:
«وقَدْ أَدْبَرَتِ الْحِيلَةُ، وأَقْبَلَتِ الْغِيلَةُ [١]،
«وَلَاتَ [٢] حِينَ مَنَاص [٣]»».
وأضاف عليه السلام:
«هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ! قَدْ فَاتَ مَا فَاتَ، وذَهَبَ مَا ذَهَبَ، ومَضَتِ الدُّنْيَا لِحَالِ بَالِهَا [٤]،
«فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَآءُ والأَرْضُ ومَا كَانُوا مُنْظَرِينَ»».
نعم! فأولئك الذي ركبوا يوماً موجة الغرور وعاشوا في تلك القصور الفارهة وضنوا أنفسهم من امراء الأرض والسماء لم يجدوا بداً حين أتاهم القضاء ونزل بهم المقدور سوى الاستسلام بكلّ ذلّة ومغادرة الدنيا وكأنّهم لم يكونوا فيها، فلم تبكهم عينٌ ولم يصدع عليهم خاطر، ثم واصلت الدنيا من بعدهم مسيرتها وأعقبهم مجيئ الأقوام والأمم المقتدرة والقوية الذين حلوا وفنوا فطواهم غبار النسيان ومحوا من صفحة التاريخ.
والعبارة: «وَلَاتَ حِينَ مَنَاص» المقتبسة من القرآن المجيد [٥] أوردها الإمام عليه السلام بشأن طائفة من الأقوام السابقة التي عاشت غرور الاختلاف وظنت الخلود في الحياة الدنيا وحين حلّ بها عذاب اللَّه تعالت أصواتها طالبة النجدة إلّاأنّ وقت النجاة قد ولّى ومضى.
والعبارة: «فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ» آية قرآنيّة أخرى [٦] أشارت إلى حال الفراعنة حين غرقوا جميعاً في البحر وخلّفوا تلك القصور والعيون والنعم للآخرين وغادروها دون أن يبكيهم أحد.
[١]. «الغيلة» بمعنى الشر والقرار الخطير الخفي وتطلق هذه المفردة على الاغتيال.
[٢]. «لات» أداة نفي كانت في الأصل لا نافية أضيفت إليها التاء للتأكيد بينما قيل إنّها زائدة وللمبالغة.
[٣]. «مناص» بمعنى من مادة «نوص» الفرار.
[٤]. «بال» بمعنى القلب والخاطر.
[٥]. سورة ص، الآية ٣.
[٦]. سورة الدخان، الآية ٢٩.