نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٠ - الشرح والتفسير التقوى كهف في الدنيا ونور في الآخرة
والْغَابِرِينَ [١]، لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا غَداً، إِذَا أَعَادَ اللَّهُ مَا أَبْدَى وأَخَذَ مَا أَعْطَوسَأَلَ عَمَّا
أَسْدَى [٢]».
نعم فالتقوى كالقصر الجميل الفخم والهادئ الذي يدعو إليه الجميع والذي كان وما زال ماثلًا أمام أعين جميع الناس وقد دعي إليه الجميع من جانب الكتب السماوية وأنبياء اللَّه وأوليائه، فقد صرح القرآن الكريم قائلًا: «وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ» [٣].
وقال الإمام عليه السلام في الأمر الثالث:
«فَمَا أَقَلَّ مَنْ قَبِلَهَا، وحَمَلَهَا حَقَّ حَمْلِهَا! أُولئِكَ الأَقَلُّونَ عَدَداً، وَهُمْ أَهْلُ صِفَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إِذْ يَقُولُ:
«وقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ» [٤]».
والسؤال الذي يرد: لم كان طلاب التقوى قلائل مع ما لها من الأهميّة؟ ولا يبدو الجواب على هذا السؤال صعباً، ذلك لأنّ التقوى تعني مخالفة هوى النفس ومخالفة هوى النفس ليس بالأمر الهيّن، فسبيل التقوى ينطوي على الكثير من المطبات والصعوبات وإن كانت عاقبته حلوة هنيئة، ذلك لأنّ جادة هوى النفس معبدة وللسائرين ولكنّ عاقبتها في غاية الخطورة.
إنّ اللَّه تعالى لما خلق الجنّة قال لجبرئيل: انظر إليها. فلما نظر إليها قال:
«يا ربِّ لا يَتْرُكُها أحَدٌ إِلَّا دَخَلَها»
فلما حفّها بالمكاره قال: انظر إليها. فلما نظر إليها قال:
«يا رَبّ أخْشى أنْ لا يَدْخُلَها أَحَدٌ»
ولما خلق النار قال: انظر إليها. فلما نظر إليها قال:
«يا رَبِّ لا يَدْخُلُها أحَدٌ»
فلما حفّها بالشهوات قال: انظر إليها، فلما نظر إليها قال:
«يا رَبِّ أخْشى أنْ يَدْخُلَها كُلُّ أحَد» [٥]
. فهذا الحديث في الواقع شرح لما ورد عن النّبي
[١]. «الغابرين» جمع «غابر» من غبور على وزن «عبور» تعني بقاء الشيء وعليه فغابرين تعني الباقين.
[٢]. «اسدى» من مادة «سدى» على وزن «عبا» بمعنى الإحسان والعطاء.
[٣]. سورة النساء، الآية ١٣١.
[٤]. سورة سبأ، الآية ١٣.
[٥]. بحار الأنوار، ج ٦٨، ص ٧٢.