نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٦ - الشرح والتفسير الموائد الإلهيّة المطلقة
لَاتُرْجَعُونَ» [١].
ومن المفروغ منه أنّ اللَّه عليم وحكيم لا يفعل العبث قط، رغم أنّ منافع الأفعال وفوائدها لا تعود عليه بشيء؛ لأنّه غني مطلق، ولكن بالطبع لأفعاله آثار وبركات تعود على عباده.
وبما أنّ الشرط الأوّل لبلوغ الهدف يتمثل في وجود الهادي والمرشد فقد وردت العبارة:
«لَمْ يُرْسِلْكُمْ هَمَلًا»
عقب العبارة
«لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً»
، لأنّ الإرسال في مثل هذه الحالات بمعنى الترك والهمل تقال فيالأصل للقطيع دون راعٍ، وعلى هذا الضوء تتّضح مسؤولية الإنسان إزاء أهداف الخليقة وهداية الأولياء.
وقال عليه السلام في المسألة الثانية:
«عَلِمَ مَبْلَغَ نِعَمِهِ عَلَيْكُمْ، وأَحْصَى إِحْسَانَهُ إِلَيْكُمْ».
والنعمة والإحسان تشمل جميع النعم الماديّة والمعنويّة بالإضافة إلى مختلف القابليات والاستعدادات الباطنيّة، وهذا يعني أنّ الناس يتمتعون بنعمه فلا يسلكون طريق الجحود ولا يهدرون نعم اللَّه ويجتنبون الكسل والتقاعس في الانتفاع بهذه النعم وليعلموا أنّ جميع الأسباب والوسائل متوفرة للوصول إلى الهدف المنشود والكمال المطلوب.
ثم انتقل إلى المسألة الثالثة فقال عليه السلام:
«فَاسْتَفْتِحُوهُ [٢]، واسْتَنْجِحُوهُ [٣]، واطْلُبُوا إِلَيْهِ
واسْتَمْنِحُوهُ [٤]، فَما قَطَعَكُمْ عَنْهُ حِجَابٌ، وَلَا أُغْلِقَ عَنْكُمْ دُونَهُ بَابٌ».
إشارة إلى أنّ الفيض جاهز من المبدىء الفياض، وقد جاء الآن دوركم لتمدوا إلى خزائن لطفه يد العوز والحاجة وتفتحوا أبواب رحمته وتسألوه التوفيق والفلاح، وأننا لنعلم بالطبع أنّ النتيجة ستكون قطعيّة وحتميّة حين تقترن قابلية
[١]. سورة المؤمنون، الآية ١١٥.
[٢]. «استفتحوا» من مادة «فتح» تعني فيالأصل الفتح، وعليه فالاستفتاح طلب الفتح والعون.
[٣]. «استنجحوا» من «نجاح» السهولة والوصول إلى المطلوب.
[٤]. «استمنحوا» من مادة «منح» على وزن «منع» تعني فيالأصل اعطاء لبن الحيوان للحيوان ثم اطلقت على مطلق البذل والعطاء، وعليه استمناح تعني التماس العطاء.