نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٢ - الشرح والتفسير صفات المتّقين
فقال:
«إِنّ يَقِيني يا رَسُول اللَّهِ هُو الَّذي أَحزَنني وَأَسهَرَ لَيلي وَأَظمَأ هَواجِري فَعزَفتْ نَفسِي عَنِ الدُّنيا وَما فِيها حَتّى كَأنّي إِلى أنْظُر عَرشَ رَبِّي وَقَد نُصبَ للحِسابِ وَحُشرَ الخَلائقُ لِذلكَ وَأَنا فِيهم، وَكَأنّي أنْظُر إلى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَنَعَّمُونَ فِي الْجَنَّةِ ويَتَعارَفُونَ، عَلَى الأَرائِكِ مُتَّكِئُونَ، وكَأنّى أنْظُرُ إلى أهْلِ النّارِ وهُمْ فيها مُعَذَّبُونَ مُصْطَرِخُونَ وكَأنّي الْانَ أَسْمَعُ زَفيرَ النّارِ يَدُورُ في مَسامِعي».
فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله لأصحابه:
«هذا عَبْدٌ نَوَّر اللَّهُ قَلْبَه بِالإيمانِ»
. ثم قال صلى الله عليه و آله له:
«إِلزم ما أَنتَ عَليهِ».
فقال: يا رسول اللَّه ادع لي أن أُرزق الشهادة معك. فدعا له رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فلم يلبث أن خرج في بعض غزوات النّبي صلى الله عليه و آله فاستشهد بعد تسعة نفر وكان هو العاشر [١].
وقد وردت العديد من الأخبار التي تشبه ما ورد سابقاً بشأن المتّقين طيلة التاريخ والذين بلغوا مقام الشهود والتي تؤكد كلام الإمام عليه السلام.
ثم واصل كلامه عليه السلام فذكر خمس صفات أخرى من صفات المتّقين فقال:
«قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وأَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ، وحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ، وأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ».
فهذه الصفات سلسلة من صفات المتّقين، ذلك لأنّ حزنهم الذي ورد في صفتهم الأُولى يشير إلى خوفهم من اللَّه والتقصير في الإتيان بالوظائف، قال الإمام الصادق عليه السلام:
«الْحُزْنُ مِنْ شِعارِ الْعارفينَ»
. وواصل كلامه قائلًا:
«ولَو حَجَبَ الْحُزنُ عَنْ قُلُوبِ الْعارِفينَ ساعةً لاسْتَغاثُوا» [٢].
نعم، فهم وجلون دائماً إزاء وظائفهم، ومن هنا خيم الحزن على قلوبهم خشية
[١]. نقل المرحوم الكليني هذا الحديث في باب حقيقة الإيمان (الكافي، ج ٢، ص ٥٣) وكذلك نقله المرحوم العلّامة المجلسي في بحار الأنوار، ج ٦٧، ص ١٧٤ عن كتاب المحاسن.
[٢]. بحارالأنوار، ج ٦٩، ص ٧٠.