نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨ - الشرح والتفسير عجزنا عن إدراك صفاته
فالأمور الستة هذه إشارة إلى تكوين العالم، ذلك لأنّها الأصل والأساس وما سواها تابع لها، على كلّ حال فإنّ هذه العبارة إشارة إلى أهم صفاته الجماليّة سبحانه والتي تعود إليها سائر الصفات وهي عدم تناهي ذاته القدسيّة من جميع الجهات، فلكل المخلوقات زمان وتاريخ لحدوثها سوى الذات القدسيّة التي كانت منذ الأزل وستبقى إلى الأبد، ومن هنا أشار إثر ذلك إلى إحدى عشرة صفة من صفاته السلبيّة والتي تنبع جميعها من ذاته القدسيّة اللامتناهيّة.
فقال في العبارة الأولى والثانية:
«لَا يُدْرَكُ بِوَهْم، وَلَا يُقَدَّرُ بِفَهْم».
ذهب بعض شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ الفارق بين هاتين العبارتين هو أنّ الوهم هنا إشارة إلى القوّة التي تدرك الجزئيات، والفهم إشارة إلى إدراك الكليات، وهنالك احتمال آخر هو أنّ الوهم إشارة إلى قوّة الحدس والفرض، والفهم إشارة إلى الإدراك واليقين، أي لا يمكن الوصول إليه تعالى عن طريق العلم ولا الحدس ولا الظن، أضف إلى ذلك أنّ العبارة الأُولى إشارة إلى إدراك أصل وجوده، والعبارة الثانية إشارة إلى قياس ذاته القدسيّة وبما أنّها لامتناهيّة فهي لا تدرك بوهم ولا تقاس بعقل.
ثم قال في الصفتين السلبيتين الثالثة والرابعة:
«وَلَا يَشْغَلُهُ سَائِلٌ، وَلَا يَنْقُصُهُ نَائِلٌ [١]».
إنّ الإنسان مهما كان ذكياً وفطناً إن تحدّث إليه شخص أو عدّة أشخاص بشأن موضوع مهم لا يسعه إدراك مطلب الآخرين، أو تعامله مع شخص يحول دونه والآخرين، ذلك لأنّه وجود محدود ومتناهٍ، أمّا الذات الإلهيّة القدسيّة فلا يضيق بها التعامل مع جميع المخلوقات وفي آن واحد فهي تسمع أصواتهم وتقضي حاجاتهم وتعلم بنيّاتهم ولا يشغلها سائل عن آخر، وكذلك لو طرق جميع العباد باب اللَّه وسألوه ما سألوا وضمن لهم الإجابة لما نقص شيء من ملكه وخزائنه، بل لما شكل
[١]. «نائل» له معنى اسم الفاعل والمصدر بمعنى العطاء أو البذل أو طالب البذل أو المعنيان هنا مناسبان.