نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٤ - الشرح والتفسير بديع خلق اللَّه
بالرسالة والأوضاع على عهد بعثته ليشرحها بعبارات قصيرة وعظيمة المعنى وليكشف النقاب عن مضمون تلك الدعوة فتبدو واضحة وجلية وملموسة، فقال:
«وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسُولُهُ؛ ابْتَعَثَهُ والنَّاسُ يَضْرِبُونَ فِي غَمْرَة [١]، ويَمُوجُونَ
فِي حَيْرَة. قَدْ قَادَتْهُمْ أَزِمَّةُ الْحَيْنِ [٢]، واسْتَغْلَقَتْ عَلَى أَفْئِدَتِهِمْ أَقْفَالُ الرَّيْنِ [٣]».
فقد استعار الإمام عليه السلام عدة تشبيهات لرسم صورة واضحة لِما كانت عليه الناس في العصر الجاهلي؛ فقد شبههم أحياناً بالشخص الذي وقع في ورطة مرعبة فهو لا ينفك عن الصراخ وطلب النجدة، وأحياناً أخرى شبههم بأنّ أزِمَّهم انيطت بأيدي أفراد فاسدين مفسدين لا يقودونهم سوى إلى الهاوية، وأخيراً شبه قلوبهم بالمخازن المقفلة بحيث لم يلجها أي علم ومعرفة وفضيلة.
حقّاً، إنّ الإنسان ما لم يقف على وضع الناس في العصر الجاهلي من الناحية الفكريّة والعقائديّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة والسياسيّة لا يسعه إدراك عظمة النّبي صلى الله عليه و آله وعظمة الدعوة الإسلاميّة، ومن هنا يذكر الإمام عليه السلام في العديد من خطب نهج البلاغة وبعبارات غاية في الروعة والجمال الوضع آنذاك للأجيال الذين لم يدركوا ذلك العصر أو أنّهم أدركوا واقعه ولكنهم نسوه ومن ذلك ما قاله في الخطبة الثانية من النهج:
«أرْسَلَهُ بِالدّينِ الْمَشْهُورِ ... والنّاسُ في فِتَن انْجَزَمَ فيها جَعْلُ الدّينِ ...».
ووقال عليه السلام في الخطبة ٢٦:
«إنّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمّداً ... وأنْتُمْ مَعْشَرُ الْعَرَب في شَرِّ دين وفي شَرِّ دار ...».
والخطبة ٥٩:
«بَعَثَهُ والنّاسُ ضُلّالٌ في حيرَة وحاطِبُونَ في فِتْنَة ...».
[١]. «غمرة» الماء الكثير الذي يغطي كلّ شيء ثم اطلق على كلّ شدّة.
[٢]. «حين» بفتح الحاء تعني الموت والهلكة واستعمل بمعنى الغم والهم الشديد الذي يؤدّي بالإنسان إلى الموت وحين بكسر الحاء بمعنى الزمان وقد وردت في هذه الخطبة بالمعنى الأوّل.
[٣]. «رين» بفتح الراء تعني الصدأ الذي يصيب المعادن والذي يفيد الفساد والتلف أو ضياع شفافية المعدن ولمعانه.