نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٧ - القطرة والبحر
حصيناً العدو فحسب، بل تلعب دورها في عالم الاقتصاد والعلم والمعرفة فتؤدي إلى كلّ ذلك الرقي والتقدم والإزدهار، والحقّ لولا تلاقح قطرات علم العلماء طيلة التاريخ وفي المجتمعات البشريّة لما شهدنا ليوم كلّ هذا التقدم العلمي الهائل ولما كان التمدن يفوق مدنية العصور الحجرية.
وفإذا دبّ الاختلاف في صفوف المجتمعات البشريّة فلا تتوقف عجلة الرقي والتقدم فحسب، بل تنعدم كلّ القدرات والقوى في اتون الاقتتال الداخلي والذي لا يفضي سوى إلى الدمار والخراب والتخلف.
وقد أكّد الإمام عليه السلام مراراً في هذه الخطبة الشريفة على هذا المعنى، فأخذ بيد مخاطبيه إلى أعماق التاريخ البشري ليريهم عن كثب نتائج الاتحاد والفرقة.
من جانب آخر فقد ورد مثل هذا التأكيد في الآيات القرآنيّة والروايات الإسلاميّة؛ ولكن ما تجدر الإشارة إليه أنّ الظفر بوحدة الصفوف لا يبدو بالأمر الهَيّن بل يحاط بالعديد من الصعوبات والعوائق، ومنها التعصب والكبر والفخر وترجيح المصالح الذاتية الضيقة والقصيرة الأمد على المنافع العامّة والبعيدة الأمد، وقد عدّها الإمام عليه السلام في هذه الخطبة من العقبات التي تعترض سبيل الوحدة.
وقد أكّد الإمام عليه السلام هذا المعنى في سائر خطب نهج البلاغة أيضاً؛ ومن ذلك ما ورد في الخطبة ١٢٧ أنّه قال:
«وإيّاكُمْ والْفُرْقَةَ فَإنَّ الشّاذَّ مِنَ النّاسِ لِلشَّيْطانِ كَما أنّ الشّاذّ مِنَ الْغَنَمِ لِلذِّئْبِ».
كما وردت إشارة رائعة إلى هذا المعنى في الخطبة ٨٦:
«ولا تَباغَضُوا فَإنّها الْحالِقَةُ».
ونختتم هذا الكلام بالرسالة المهمّة التي صرح بها القرآن الكريم في قوله تعالى:
«وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ» [١].
[١]. سورة الأنفال، الآية ٤٦.