نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٤ - الشرح والتفسير صفات المتّقين
الصفات، ثم تطرق إلى فوائد التقوى ويبدو للوهلة الأُولى أنّ الأمر بالتقوى ليس جواباً عن سؤال همام ولا ذكر الفوائد.
الظاهر أنّ الإمام عليه السلام أراد بهذا الكلام أن يفهمه بأنّ التقوى مفهوم واضح بالإجمال وعليك بالعمل، ثم تطرق عليه السلام لنتائج التقوى لحثه عليها، على كلّ حال فقد خاض الإمام عليه السلام في بداية الخطبة في بيان هذه النقطة المهمّة حيث بيّن أنّ اللَّه تعالى غني عن الجميع فإنّ وردت بعض الوصايا الثقيلة والعديدة بشأن التقوى في هذه الخطبة فهي لا تضيف للَّهشيئاً من الجلال والجاه، بل ليطوي الإنسان مسيرة التكامل فقال عليه السلام:
«أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيًّا عَنْ طَاعَتِهِمْ، آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ، لِانَّهُ لَاتَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ، وَلَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ».
ودليل ذلك واضح، فأوّلًا: اللَّه تعالى وجود لامتناهٍ من جميع الجهات وكمال مطلق وليس للنقص من سبيل إلى هذا الوجود ليرقى به إلى كمال عن طريق الطاعة والعبودية ولو كفر من في الأرض كلّهم جميعاً لما نال ذلك من كبرياء اللَّه شيئاً، إذ إنّ المخلوقات أعجز من أن يلحقوا ضرراً بذاته القدسيّة.
وثانياً: كلّ ما لدى المخلوقات من اللَّه وفيوضاته ولا معنى لإعادة الفيض عليه، كلّ خلق يتغذى على مائدته، بل حياتهم بلطفه ورحمته ولو أوكلهم اللَّه إلى أنفسهم طرفة عين لهلكوا.
ثم تطرق الإمام عليه السلام إلى أوضاع الناس الدنيوية كمقدمة في الواقع لبيان الجوانب المعنويّة التي ذكرت لاحقاً، فبيّن بعبارتين الأمور كافّة في جوانب حياتهم الماديّة وقال:
«فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ، ووَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ».
إشارة إلى أنّ اللَّه بيده جميع حوائج الخلق الماديّة وهو يُفيض عليهم من لطفه بقدر كلٌّ حسب موقعه. وهذا ما ورد في القرآنالكريم فيالآية ٣٢ من سورة الزخرف:
«نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَات».