نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٠ - الشرح والتفسير أهوال المحشر!
فالإمام عليه السلام يشير إلى هذه الصفات وكأنّه يراها بأُم عينيه خلف حجب الغيب.
ثم خاض عليه السلام في أوضاع أهل الجنّة فرسم لها صورة دقيقة بما يؤجج نيراناً من الشوق في قلوب المؤمنين فقال مستشهداً بالآية الكريمة: « «وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً [١]»
: قَدْ أُمِنَ الْعَذَابُ، وَانْقَطَعَ الْعِتَابُ؛ وزُحْزِحُوا [٢] عَنِ النَّارِ، واطْمَأَنَّتْ
بِهِمُ الدَّارُ، ورَضُوا الْمَثْوَى والْقَرَارَ».
حيث أشار الإمام عليه السلام بهذه العبارة القصيرة إلى خمسة امتيازات عظيمة لهذه الطائفة الورعة من أصحاب الجنّة والتي يمكن خلاصتها في السكينة والطمأنينة المطلقة حيث الأمان من العذاب وغياب العتاب وابتعاد عن النار والاستقرار التام في الجنّة والرضا بهذه العاقبة.
آنذاك خاض الإمام عليه السلام في شرح جانب من أعمال هذه الفئة فقال:
«الَّذِينَ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا زَاكِيَةً، وأَعْيُنُهُمْ بَاكِيَةً، وكانَ لَيْلُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ نَهَاراً، تَخَشُّعاً واسْتِغْفَاراً؛ وكَانَ نَهَارُهُمْ لَيْلًا، تَوَحُّشاً وانْقِطَاعاً».
حيث رسم الإمام عليه السلام بهذه الصفات الأربع مقامهم الرفيع بأجمل الصور ليعتبره العنصر الذي جعلهم من أصحاب الجنّة.
فمن جانب كانت أعمالهم في الدنيا طاهرة ونقية عن الرياء والعجب والفخر، وكانت أعينهم باكية من خشية اللَّه وعلى مصاب المظلومين من عباد اللَّه، ومن جانب آخر كانوا ينقطعون في الليل للتهجد والعبادة والخشوع والخضوع والاستغفار كما كان نهارهم ليلًا بسبب ابتعادهم عن أهل الدنيا والتنازع على المتع الماديّة فلا يعيشون سوى الانقطاع إلى اللَّه، نعم هذه هي صفات أصحاب الجنّة من ذوي المقامات الرفيعة والسعداء من أصحاب النجاة فاستحقوا بذلك تلك الدرجات، ومن هنا اختتم الإمام عليه السلام كلامه بالقول:
«فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمُ الْجَنَّةَ مَآباً، والْجَزَاءَ ثَوَاباً،
«وكانُوا
[١]. «زمر» جمع «زمرة» على وزن «عمرة» طائفة صغيرة.
[٢]. «زحزحوا» من مادة «زحزح» على وزن «قهقهة» بمعنى الإبعاد.