نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٢١ - الشرح والتفسير التقوى مصدر الخيرات
شهد هبوطاً ملحوظاً للجرائم والجنايات، كما أنّ العديد من المشاكل الاجتماعيّة التي تفرزها المشاكل الأخلاقيّة تزول بأقصى ما يمكن من السرعة أبان مزاولة الناس للأسفار المعنويّة كالسفر لحج بيت اللَّه الحرام، ذلك لأنّ التقوى ملكة مانعة إزاء كلّ هذه المشاكل، والأفراد الذين يشعرون بثقل حقوق الآخرين التي تثقل رقابهم إنّما يبحثون عمّا ينجيهم من هذا الثقل، وعلى هذا الضوء هنالك تفسير مادي إلى جانب التفسير المعنوي للعلاقة بين التقوى وغياب المشاكل ومضاعفة البركات.
ثم اختتم الإمام عليه السلام هذا القسم من الخطبة بالعودة إلى مسألة التقوى ليؤكد ثانية على ما استهل به هذا الجانب من الخطبة فقال:
«فَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي نَفَعَكُمْ بِمَوْعِظَتِهِ، ووَعَظَكُمْ، بِرِسالَتِهِ، وامْتَنَّ عَلَيْكُمْ بِنِعْمَتِهِ».
وهذه الصفات الثلاث التي ذكرها الإمام عليه السلام للَّهتبارك وتعالى تمثّل جميعاً دوافع لسلوك سبيل التقوى، لأنّها تشمل جميع النعم الماديّة والمعنويّة والمواعظ الإلهيّة وهي المواعظ التي تفاض على جميع أهل الإيمان عن طريق رسالات الأنبياء سيّما النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله وسائر أنواع النعم الماديّة والمعنويّة التي تمنح للإنسان والتي يمكن من خلالها بلوغ ذروة العبودية والورع والتقوى والكمال المعنوي والمادي تثير لدى الإنسان الشعور بالشكر والحمد لواهب هذه النعم وتنتهي به إلى تقوى اللَّه وطاعته وإمتثال أوامره.
وقال في العبارة الأخيرة:
«فَعَبِّدُوا أَنْفُسَكُمْ لِعِبَادَتِهِ، وَاخْرُجُوا إِلَيْهِ مِنْ حَقِّ طَاعَتِهِ».
«عبّدوا» وإن أخذت من مادة عبادة إلّاأنّها تعني في هذه الموارد الاعداد والتسليم ومن ذلك قولهم «عبّد الطريق».
ومن الواضح أنّ إعداد النفس لعبودية اللَّه مقدمة لأداء حقّ الطاعة، ولا يتيسر هذا الإعداد إلّاعن طريق الإيمان والمعارف الإلهيّة وتزكية النفس وتهذيبها والانفتاح على أسرار العبادات.