نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٠ - الشرح والتفسير قدرته المطلقة في خلق الكائنات
ثم قال عليه السلام:
«كَيْفَ دَبَّتْ عَلَى أَرْضِهَا، وصُبَّتْ عَلَى رِزْقِهَا، تَنْقُلُ الْحَبَّةَ إِلَى حُجْرِهَا، وتُعِدُّهَا فِي مُسْتَقَرِّهَا. تَجْمَعُ فِي حَرِّهَا لِبَرْدِهَا، وفِي وِرْدِهَا [١] لِصَدْرِهَا [٢]».
نعم، فهذا المخلوق الضعيف على درجة من الفطنة بحيث يعرف كيف يمارس حياته، فهو يتجول بهذه اليد والرجل الصغيرة في الجبل والصحراء ويتسلق الأشجار ويختار ذلك النوع من الطعام من بين مختلف الأطعمة والذي ينسجم مع طبيعته ومزاجه ويجلب إلى عشه الحبوب من الطرق القريبة والبعيدة فهو يختار حتى هذه الحبوب ويسلك بعض الطرق المتشعبة في عشّه كي لا يخلق بعض المتاعب لسائر جنسه في الحركة والعبور ثم يضع هذه الحبوب في مكان معين بغية الحيلولة دون فسادها، ويعمد في فصل الصيف بإلهام ذاتي ودون أن يرى فصل الشتاء- أي ولد في تلك السنة- لادّخار بعض الحبوب والمواد الغذائيّة التي يحتاجها في المستقبل خشية هطول الأمطار وتعذر الحركة في فصل الشتاء فيلتقط ما يعينه على قضاء تلك المدّة.
ثم قال عليه السلام:
«مَكْفُولٌ بِرِزْقِهَا، مَرْزُوقَةٌ بِوِفْقِهَا؛ لَايُغْفِلُهَا الْمَنَّانُ، وَلَا يَحْرِمُهَا الدَّيَّانُ [٣]، ولَوفِي الصَّفَا [٤] الْيَابِسِ، وَالْحَجَرِ الْجَامِسِ! [٥]».
أشار إلى أنّ اللَّه سبحانه وتعالى قد عمّ لطفه هذه الموجودات الصغيرة التي تعيش في الجبال والصحارى والسهول فزودها بالطعام الذي يلائم طبعها وقد وفر لها ما تحتاجه من غذاء ورطوبة لازمة عن طريق الهواء حتى وإن كانت تعيش في جوف صخرة صماء، والهمها قدرة التزود بالطعام لتلك التي تفتقد فيها هذه القدرة وهذا حقاً ما يذهل العقول.
[١]. «الورد» بمعنى العطش وهنا كناية عن القدرة.
[٢]. «صدر» الرجوع بعد الورود وهي هنا كناية عن العجز والفقدان.
[٣]. «ديان» بمعنى المفيد والحاكم والمدبر.
[٤]. «صفا» بمعنى الحجر الأملس لا شقوق فيه.
[٥]. «جامس» جامد.