نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٥ - الشرح والتفسير أفضل الوعظ
القسم الثاني
وأُوصِيكُمْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وإِقْلَالِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ. وكَيْفَ غَفْلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُغْفِلُكُمْ، وطَمَعُكُمْ فِيمَنْ لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ! فَكَفَى واعِظاً بِمَوْتَى عَايَنْتُمُوهُمْ، حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ غَيْرَ رَاكِبِينَ، وأُنْزِلُوا فِيهَا غَيْرَ نَازِلِينَ، فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِلدُّنْيَا عُمَّاراً، وكَأَنَّ الْاخِرَةَ لَمْ تَزَلْ لَهُمْ دَاراً. أَوْحَشُوا مَا كَانُوا يُوطِنُونَ، وأَوْطَنُوا مَا كَانُوا يُوحِشُونَ، وَاشْتَغَلُوا بِمَا فَارَقُوا، وأَضَاعُوا مَا إِلَيْهِ انْتَقَلُوا. لَاعَنْ قَبِيح يَسْتَطِيعُونَ انْتِقَالا، وَلَا فِي حَسَن يَسْتَطِيعُونَ ازْدِيَاداً. أَنِسُوا بِالدُّنْيَا فَغَرَّتْهُمْ، ووَثِقُوا بِهَا فَصَرَعَتْهُمْ.
الشرح والتفسير: أفضل الوعظ
أشار الإمام عليه السلام في هذا الجانب من الخطبة إلى نقطة مهمّة من شأنها أن تكون دافعاً قوياً للتقوى آنفة الذكر؛ والتي تكمن في ذكر الموت، فأوصى بصورة عامة إلى ذكر الموت فقال:
«وأُوصِيكُمْ بِذِكْرِ الْمَوْتِ وإِقْلَالِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ. وكَيْفَ غَفْلَتُكُمْ عَمَّا لَيْسَ يُغْفِلُكُمْ، وطَمَعُكُمْ فِيمَنْ لَيْسَ يُمْهِلُكُمْ!».
نعم! فليس هنالك من عقل يسوغ للإنسان الغفلة عن حادثة لابدّ له من الوصول إليها، وعدم الإكتراث للشيء الذي لا أمل في الفرار منه، فالعاقل مَن يقرّ بهذه الحقيقة في أنّ الموت مصير حتمي لجميع الناس، بل الموجودات كافّة، وما أعظم ما قال الشاعر:
|
كُلُّ ابنُ انثى وإنْ طَالتْ سَلامَتُهُ |
يَوماً عَلى آلةِ حَدباءِ مَحمُولُ |