نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩ - الشرح والتفسير التذكير بما يلزم!
وبَاعُوا قَلِيلًا مِنَ الدُّنْيَا لَايَبْقَى بِكَثِير مِنَ الآخِرَةِ لَايَفْنَى».
تشير هذه العبارة اللطيفة إلى أنّ أولئك الأخيار الذين فازوا بالشهادة وتقلّدوا وسام الشرف بالجهاد في سبيل اللَّه لم يجانبوا الضرر فحسب، بل مارسوا تجارة مربحة حيث باعوا القليل من متاع الدنيا الفاني بالكثير من متاع الآخرة الباقي، كما أنّ أولئك الذين وفقوا لجهاد أنفسهم ولم ينالوا الشهادة وولّوا ظهورهم لزخرف الدنيا وزبرجها وأقبلوا على الآخرة ونعيمها هم أيضاً في مصاف عباد اللَّه الأخيار.
ثم أكّد الإمام عليه السلام ذلك بقوله:
«مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا الَّذِينَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ وهُمْ بِصِفِّينَ أَلَّا يَكُونُوا الْيَوْمَ أَحْيَاءً؟ يُسِيغُونَ [١] الْغُصَصَ ويَشْرَبُونَ الرَّنْقَ! [٢]».
إشارة إلى أنّهم ذهبوا واستراحوا لنبقى اليوم ونشهد هذه الأوضاع المزرية التي يصول ويجول فيها العدو بينما يكتفي الأصحاب الضعاف في الحقّ والفاقدو الإرادة بالتفرج على هذا المشهد الذي يهز من الأعماق كلّ مؤمن غيور، والواقع أنّ الإمام عليه السلام يشير بهذه العبارات إلى جنايات معاوية وجند الشام وسكوت وضعف أهل الكوفة والعراق.
ثم بلغ كلام الإمام عليه السلام ذروته فقال:
«قَدْ واللَّهِ لَقُوا اللَّهُ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ، وأَحَلَّهُمْ دَارَ الأَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ».
أجل، فالأمر كما قال القرآن الكريم: «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتاً بَلْ أَحياءٌ عِنْدَ رَبِهِم يُرزَقُونَ»، بل الموتى أولئك الذين استسلموا للذل وواصلوا حياتهم الماديّة التافهة في ظلّ راية الطواغيت والظلمة، والحقّ أنّ الشهادة مدعاة للفخر، ويتضاعف هذا الفخر حين يكون في وسط اجواء فاسدة وقذرة وتنتهي إلى الخلاص من الطغمة المفسدة والمتجبرة.
ولعل الرسالة التي اطلقها الإمام علي عليه السلام من محراب عبادته حين شهادته بقوله:
[١]. «يسيغون» من مادة «سوغ» على وزن «فوق» وسيغ، على وزن «سيل» بمعنى الهنيىء.
[٢]. «رنق» بمعنى الكدر.