نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١١ - الشرح والتفسير صفات المتّقين
والْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وهُمْ والنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ».
للإيمان واليقين مراحل، فإيمان البعض تفرزه الأدلة العقلية وسائر الأدلة الكافية والشافية عليه، وقد عبّر العرفاء وأساتذة الأخلاق وبالاستناد إلى الآيات القرآنيّة عن هذه المرحلة بمرحلة (العلم اليقيني)، والمرحلة الأسمى هي (مرحلة الشهود) حيث يتجاوز الإنسان في هذه المرحلة الأدلة العقليّة ليبلغ مقام الشهود فيرى اللَّه ويشاهد عظمته ببصيرته وتزول عنه جميع الشكوك والوساوس التي تترتب أحياناً على الأدلة العقلية وهذا ما يصطلح عليه بمقام (عين اليقين).
والمرحلة الثالثة وهي مرحلة (حق اليقين) المختصة بخواص اللَّه ومقرّبيه حيث يصل الإنسان في ظلها إلى مرتبة تذوب فيها ذاته فلا يرى سوى اللَّه ويغيب عن ناظريه كل ما سواه.
فالواقع أنّ المرحلة الأُولى عامة وتشمل جميع المؤمنين الصادقين، بينما تختص المرحلة الثانية بالمتقين المخلصين والمجاهدين، وتختصر المرحلة الثالثة على صفوة معينة من أولياء اللَّه كالمعصومين عليهم السلام، ولكلّ مرحلة آثارها ومعطياتها وأحد آثار مرحلة الشهود التي أشير إليها في هذه الخطبة بشأن المتّقين أنّهم يرون أنفسهم حاضرين على الدوام أمام الحقّ ولا ينفكون عن طاعته وإمتثال أوامره، وبالطبع فإنّ قدسيّة حياتهم خير شاهد على إيمانهم الشهودي فقد جاء في الحديث المروي عن الإمام الصادق عليه السلام: إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله صلّى بالناس الصبح، فنظر إلى شابٍ في المسجد وهو يخفق ويهوي [١] برأسه، مصفّراً لونه، قد نحف جسمه وغارت عيناه في رأسه، فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«كَيْفَ أصْبَحْتَ يا فُلانَ؟»
قال:
«أَصْبَحْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ مُوقِناً»
. فعجب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله من قوله، وقال صلى الله عليه و آله:
«إنَّ لِكُلِّ يَقين حَقيقَةً فَما حَقيقَةُ يَقينِكَ؟».
[١]. يقال خفق برأسه إذا أخذته سنة من النعاس فمال رأسه دون سائر جسده.