نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦ - الشرح والتفسير أين الفراعنة والعمالقة؟
فقد أشار الإمام عليه السلام في الواقع إلى نعمتين عظيمتين تعدان مصدراً لنعم جمّة أخرى؛ النعمة الأُولى أنواع الثياب التي تحفظ البدن من الحرارة والبرودة ومختلف المخاطر، وتضفي على الإنسان الوقار والهيبة والاحترام وتميّزه عن الحيوانات.
والنعمة الأخرى المعاش، أي أنواع الرزق التي يحتاجها الإنسان في حياته، وللمعاش من مادة معيشة مفهوم واسع يشمل الطعام والماء والهواء والدواء والسكن، وجميع مواهب الحياة ولا يبدو صحيحاً ما تصوره البعض من أنّه يقتصر على الماء والغذاء، ورغم أنّ هذا المفهوم عام إلّاأنّه يشمل أنواع الألبسة الفاخرة، ولكن ممكن ذكر ذلك بالخصوص بسبب أهميّته الفائقة في حياة الإنسان.
وبما أنّ حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة فقد خاض الإمام عليه السلام في تقلب أحوال الدنيا وزوالها ثم ركز على مصداق واضح فقال عليه السلام:
«فَلَو أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إِلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً، أَو لِدَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلا، لَكَانَ ذلِكَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُودَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، الَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ الْجِنِّ والْانْسِ، مَعَ النُّبُوَّةِ وعَظِيمِ الزُّلْفَةِ [١]».
نعم فسليمان عليه السلام مع ما كان له من جلال وجبروت وقدرة وعزّة وكر وفر لم يستطع الحيلولة دون الموت ليغادر الدنيا في الأجل المعين دون أدنى تأخير أو تريث، ومن هنا واصل الإمام عليه السلام كلامه قائلًا:
«فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ، واسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ، رَمَتْهُ قِسِيُ [٢] الْفَنَاءِ بِنِبَالِ [٣] الْمَوْتِ، وأَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً، والْمَسَاكِنُ
مُعَطَّلَةً، ووَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ».
يا له من تشبيه رائع! فقد شبّه الإمام عليه السلام قانون الفناء بالنبال التي تحمل الموت! وقد صوبت هذه النبال نحو الجميع لتنتظر آخر لقمة طعام يتناولونها وآخر دقيقة عمر يقضونها لتصوب نحوهم سهام الموت فتصيب أهدافها، سواء كان هذا الهدف
[١]. «زلفة» و «زلفى» بمعنى القرب والمنزلة.
[٢]. «قسي» جمع (قوس).
[٣]. «نبال» جمع «نبل» بمعنى السهم.