نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٠ - الشرح والتفسير صفات المتّقين
لَوأَتَيْتَ يَوْمَ الْقِيامَةِ بِبِرِّ الثَقَلَيْنِ خِفْتَ أنْ يُعذّبَكَ وارْجُ اللَّهَ رَجاءً لَووافَيْتَ الْقِيامَةَ بِإِثْمِ الثَّقَلَيْنِ رَجَوْتَ أَنْ يَغْفِرَاللَّهُ لَكَ» [١].
وذكر الإمام عليه السلام صفة بارزة جدّاً في المتّقين فقال:
«عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَادُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ».
فكلّ شخص يبدو له النهر الكبير ضئيلًا حين يكون إلى جانب المحيط المتلاطم الأمواج، وحين ينظر الإنسان إلى الشمس التي تضيئ العالم لا يرى من وجود لضوء أكبر وأكبر مصابيح العالم ضياءً، نعم، فقد تعرّف المتقون على القدرة المطلقة والعلم اللامتناهي لخالق عالم الوجود فأدركوا بقدر استعدادهم عظمة ذاته المقدّسة، فكان من الطبيعي أن يصغر كلّ ما سواها في أعينهم، وهذه هي إحدى العوامل التي تقف وراء تقوى المتّقين وورعهم وأعظم من ذلك عصمتهم من الذنب والمعصية، فكلّما عظمت معرفة الإنسان باللَّه صغر ما سواه في نظره فلم يعد يتعلق بهذه الأشياء الحقيرة والتافهة ولذلك لا يقارف الذنب.
ومن هنا نفهم ما قاله الإمام علي عليه السلام:
«وَاللَّهِ لَو أُعْطيتُ الأَقاليمَ السَّبْعَةَ بِما تَحْتَ أفْلاكِها عَلى أنْ أعصِى اللَّهَ في نَمْلَة أسْلُبُها جُلْبَ شَعيرَة ما فَعَلْتُهُ» [٢].
وقال في مواصلته لكلامه:
«وإنَّ دُنْياكُمْ عِنْدي لَاهْوَنَ مِنْ وَرَقَة في فَمِ جَرادَة تَقْضِمُها».
فإنّ ذلك يُعزى ذلك إلى عرفانه عليه السلام باللَّه تبارك وتعالى. نعم، كلّما إزدادت معرفة اللَّه لدى الإنسان صغرت الدنيا في عينيه وضعفت لديه أسباب الذنب واستشعر المزيد من الطمأنينة والسكينة، وبالطبع فإنّ أحد آثارها حضور القلب في العبادة والصلاة، بحيث لا يلتفت إلى الألم حين تُسَل السهام من جسده.
ثم اتّجه عليه السلام إلى صفة بارزة أخرى تتمثل في مقام المتّقين الشهودي فقال:
«فَهُمْ
[١]. بحار الأنوار، ج ١٣، ص ٤١٢.
[٢]. نهج البلاغة، الخطبة ٢٢٤.