نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٧ - ١ وحدة حكم اللَّه في الأولين والآخرين
تأمّلان
١. وحدة حكم اللَّه في الأولين والآخرين
إنّ وحدة الأحكام الشرعيّة وسريانها على الأولين والآخرين بما فيها الأقوام والأمم كافّة لمن الأمور المهمّة التي أكّد عليها الإمام عليه السلام في هذا الجانب من الخطبة، وتوضيح ذلك أنّ تاريخ البشريّة في الماضي والحاضر شهد أنواع التمييز بين الأقوام والشعوب في وضع القوانين والتشريعات، فكانت هنالك الأحكام المختلفة التي تتأثر عادة بلون البشرة والأخرى بالمنزلة الاجتماعيّة وكان دم ذوي البشرة البيضاء أثمن من نظيره لدى العبيد فكانت هنالك الامتيازات الخاصّة لدى طبقة الأشراف في سن القوانين.
فانبثق الإسلام ليلغي تلك الامتيازات كافّة إثر تبنيه لرسالة المساواة وعدم التمايز الطبقي وتكافو جميع الأفراد مهما اختلفت ألوانهم وأعراقهم في الحقوق والواجبات وجاء في الخبر أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله بينما كان في منى أيّام الحج راكباً دابته إذ التفت إلى الناس فقال:
«يا أَيُّها النّاسُ ألا إِنَّ رَبَّكُمْ واحِدٌ وإِنَّ أَباكُمْ واحِدٌ ألا لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلى عَجَمي، ولا لِعَجَمِي عَلى عَرَبي، ولا لِاسْوَدَ عَلى أَحْمَرَ [١]، ولا
لِاحْمَرَ عَلى اسْوَدَ إِلّا بِالتَّقْوى. أَلا هَلْ بَلَّغْتُ؟ قالُوا نَعَم! قالَ لِيَبْلُغَ الشّاهِدُ الْغائِبَ» [٢].
ولم يقتصر النّبي صلى الله عليه و آله على هذا الكلام في ذلك التجمع العظيم بمنى، بل أشار إليه في موارد كثيرة بصفته أحد المبادئ الإسلاميّة المسلمة، ففي الخبر أنّ سلمان الفارسي دخل مجلس النبي صلى الله عليه و آله فأكرمه النّبي لفضله وسنه وأجلسه في صدر المجلس فلما رآه عمر أنكر ذلك وقال:
«مَنْ هذَا الْعَجَمِيٌّ الْمُتَصَدِّرُ فيما بَيْنَ الْعَرَبِ»
فصعد النبي الأكرم صلى الله عليه و آله المنبر (الأمر الذي كان يقوم به لبيان حكم عام وأساسي) فخطب الناس وقال:
[١]. «أحمر»، إشارة إلى حمرة الوجه، أو كونه حنطاوياً، لأنّ بيض الوجوه كانت في ذلك المحيط ألوانهم بلونالحنطاوي.
[٢]. تفسير القرطبي، ج ٩، ص ٦١ و ٦٢.