نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٥ - الشرح والتفسير التحذير من التشبه بالشيطان أو قابيل
والعبارة:
«ويَضْرِبُونَ مِنْكُمْ كُلَّ بَنَان»
تشبه ما ورد في القرآن الكريم بشأن هجوم الملائكة على الكفار يوم بدر: «وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَان» [١]. فإنّ قطع كلّ بنان إن كان بشأن الأيدي يؤدّي بالإنسان إلى العجز عن الإتيان بأغلب الأعمال، ذلك لأنّ لكلّ عمل وسيلة ووسائل الأعمال عادة الأصابع والأيدي، وإن كان المراد بنان الأرجل فذلك يؤدّي إلى اختلال توازن الإنسان حين المشي والعبارة الواردة في الخطبة إشارة إلى أنّ الشياطين يهجمون عليكم ويعيقونكم عن العمل بحيث يسلبونكم زمام التفكير والقدرة على اتخاذ القرار.
ثم ركز الإمام عليه السلام على لب الموضوع فاستعار تشبيهات غاية في الجمال وبمنتهى الفصاحة والبلاغة ليحذر الجميع من الآثار السيئة للعصبية العمياء والكبر الأجوف فقال عليه السلام:
«فَأَطْفِئُوا مَا كَمَنَ فِي قُلُوبِكُمْ مِنْ نِيرَانِ الْعَصَبِيَّةِ واحْقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّمَا تِلْكَ الْحَمِيَّةُ تَكُونُ فِي الْمُسْلِمِ مِنْ خَطَرَاتِ الشَّيْطَانِ ونَخَوَاتِهِ [٢]، ونَزَغَاتِهِ [٣]
ونَفَثَاتِهِ [٤]».
فقد شبه الإمام عليه السلام بهذه العبارات العصبيات الطائشة والأحقاد الجاهلية بالنار الكامنة في أعماق القلوب التي تقتدح فجأة وتلتهم جميع كيان الإنسان فتسري إلى الخارج لتعم وتحرق أمم بأسرها، ويعدّ الإمام عليه السلام هذه الصفة الرذيلة من وساوس الشيطان والتي تنتقل من الخارج إلى بواطن المسلمين أي هي قريبة من المسلم الحقّ.
ثم واصل عليه السلام كلامه قائلًا:
«واعْتَمِدُوا وَضْعَ التَّذَلُّلِ عَلَى رُؤُوسِكُمْ، وإِلْقَاءَ التَعَزُّزِ
[١]. سورة الأنفال، الآية ١٢.
[٢]. «نخوات» جمع «نخوة» بمعنى الكبر.
[٣]. «نزغات» جمع «نزغة» بمعنى الفساد من مادة «نزغ» على وزن «وضع» بمعنى الدخول في فعل بقصد الافساد.
[٤]. «نفثات» جمع «نفثة» بمعنى ما يخرج من الفم من اللعاب وفي الأصل من مادة «نفث» على وزن «حبس» بمعنى النفخ واستعملت هنا لخروج مقدار من اللعاب حين النفخ على الشيء وهي كناية عن وساوس الشيطان في العبارة، السائد بين السحرة أنّهم يقرأون بعض الأوراد عند السحر وينفخون على الشخص المطلوب فهي كناية عن الوسوسة.