نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩ - الشرح والتفسير دلالة السماء على اللَّه
ثم أشار إلى هذه الحقيقة:
«دَعَاهُنَّ فَأَجَبْنَ طَائِعَات مُذْعِنَات، غَيْرَ مُتَلَكِّئَات [١] ولَا
مُبْطِئَات».
يبدو هنالك رأيان بشأن المراد من طاعة السماوات لأوامر اللَّه وإقرارها بربوبيّته تعالى؛ قال البعض: إنّ المراد الإقرار والطاعة بلسان الحال، أي أنّ اللَّه سبحانه وتعالى خلقها بهذه الصيغة بحيث تعيش حالة التسليم له من حيث نظام العلّة والمعلول وقوانين الخلق دون أن يكون لها أيّة إرادة أو علم، لأنّها موجودات جامدة ولا روح لها.
وقال البعض: إنّ العبارات أعلاه تدلّ على أنّ جميع عالم الوجود- من الإنسان والحيوان والجماد وجميع الكواكب السماويّة- له عقل وشعور، وقد أقرّوا بإرادتهم على ربوبيّته تعالى وأذعنوا له بالطاعة.
طبعاً هذان التفسيران صحيحان ولا يختلفان عمّا أراد الإمام عليه السلام بيانه، لأنّ الهدف بيان عظمة الخلق وتسليم عالم الوجود لأمر اللَّه تبارك وتعالى.
ثم قال عليه السلام:
«وَلَوْلَا إِقْرَارُهُنَّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وإِذْعَانُهُنَّ بِالطَّوَاعِيَةِ [٢]، لَمَا جَعَلَهُنَ
مَوْضِعاً لِعَرْشِهِ، ولَا مَسْكَناً لِمَلَائِكَتِهِ، ولَا مَصْعَداً [٣] لِلْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ
خَلْقِهِ».
أشار الإمام عليه السلام في هذه العبارة إلى أنّ طاعة السماوات لأوامر اللَّه منحها ثلاثة امتيازات: الأوّل: أنّها موضع عرش اللَّه، والثاني: مسكن لملائكته، والثالث: موضع لصعود الأعمال والأقوال الصالحة للعباد؛ بمعنى أنّ حفظة الأعمال وكتبة الأفعال
[١]. «متلكّئات» من مادة «تلكّؤ» على وزن «تكلُّم» بمعنى التباطؤ.
[٢]. «طواعية» بمعنى الطاعة والانقياد.
[٣]. «مصعد» موضع الصعود.