نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٧٢ - الشرح والتفسير عالم الغيب والشهادة
وكل هذه الأمور تستند إلى كون علمه سبحانه وتعالى بجميع الأشياء علماً حضورياً فهو حاضر في كلّ مكان والكون برمته حاضر لديه، فلا يخفى عليه شيء ولا يعزب عن علمه شيء.
وقد تمسك البعض بمثال فقال: لو كان في يدنا شيء ننظر إليه فهل يخفى علينا شيء منه، وبالطبع فإنّ علم اللَّه لأعمق وأسمى من ذلك بالنسبة لجميع الكائنات.
وقال في مواصلته لكلامه ولإثبات شدّة الرقابة الإلهيّة على الإنسان:
«أَعْضَاؤُكُمْ شُهُودُهُ، وجَوَارِحُكُمْ جُنُودُهُ، وضَمَائِرُكُمْ عُيُونُهُ، وخَلَوَاتُكُمْ عِيَانُهُ».
ولمفردة الأعضاء (جمع عضو) معنى عام يشمل الأعضاء التي بها يقوم الإنسان بأعماله، مثل الأيدي والأرجل، وكذلك الأعضاء التي يبدو ظاهرياً لا يقوم بها بعمل كالأضلاع والعظام؛ أمّا الجوارح (جمع جارحة) واستناداً إلى مادتها اللغويّة جرح التي تعني الاكتساب فهي تقتصر على الإشارة إلى تلك الأعضاء التي يقوم بواسطتها الإنسان ببعض الأعمال ويحسن بها أو يسيىء بها، وعليه فذكر الجوارح بعد الأعضاء من قبيل ذكر الخاص بعد العام.
و «ضمائر» جمع «ضمير» بمعنى باطن الإنسان وتشير هنا إلى وجدان الإنسان الذي يمثل القاضي الباطني.
و «خلوات»:
جمع «خلوة» تعني الموضع الذي لا يتواجد فيه عامة الناس، ولما كانت أغلب الذنوب إنّما ترتكب في الخلوات، فقد ركزت عليها العبارة السابقة.
وذهب بعض شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ (خلوات) تعني ما يرتكب من أعمال في الخلوة وستكون من قبيل حذف المضاف، على كلّ حال فإنّ هدف الإمام عليه السلام من بيان هذه العبارات الأربع الأخيرة أن يقول ليس لعلم اللَّه إحاطة بجميع أعمال الإنسان فحسب، بل أعضاء الإنسان وجوارحه ووجدانه شهوده وجنوده وعيونه، وإنّ كلّ بقعة من مكان حتى الخلوات لتشهد على أعمال الإنسان.