نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٧ - الشرح والتفسير معرفة اللَّه الحقيقية
وأشار في بيانه للصفة الثانية إلى سمو مقام اللَّه عن الظلم، وهو ذات الأمر الذي يفرزه العجز والجهل أو الحاجة.
ثم ركز عليه السلام على جانبين من جوانب عدله أحدهما في عدم التمييز والآخر العدل في القضاء والعقاب والثواب، وعليه فالعبارات الثلاث
«وارْتَفَعَ عَنْ ظُلْمِ عِبَادِهِ» «وقَامَ بِالْقِسْطِ فِي خَلْقِهِ، «وعَدَلَ عَلَيْهِمْ فِي حُكْمِهِ»
تشير جميعها إلى عدالة اللَّه ونفي الظلم عنه في مختلف الجوانب.
ثم تطرق عليه السلام إلى صفات أخرى من صفات الجمال والجلال فقال:
«مُسْتَشْهِدٌ بِحُدُوثِ الأَشْيَاءِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ، وبِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ الْعَجْزِ عَلَى قُدْرَتِهِ، وبِمَا اضْطَرَّهَا إِلَيْهِ مِنَ الْفَنَاءِ عَلَى دَوَامِهِ».
فقد قال الإمام عليه السلام في العبارة الأولى: إنّ اللَّه قد جعل حدوث الأشياء دليل على أزليّته، ذلك لأننا نرى في هذا العالم مجموعة من الموجودات تنتهي إلى علل سابقة بصيغة سلسلة من العلل والمعاليل، فهل يمكن أن تستمر سلسلة العلل والمعاليل إلى مالانهاية؟ وكل علّة معلولة لآخر وبعبارة أخرى هل نقبل تسلسل العلّة والمعلول إلى مالا نهاية؟
الجواب عن هذا السؤال بالسلب قطعاً، لأنّ مفهوم ذلك أنّ المالانهاية تتطلب التبدل إلى موجود غني، أو بتعبير آخر تتبدل مالانهاية الصفر إلى عدد، وعليه فإننا ندرك من حدوث الأشياء وجوداً أزلياً ووجوده من ذاته وهو واجب الوجود.
وأشار في العبارة الثانية إلى حقيقة هي أنّ في جبين كلّ موجود علامة على العجز، فالأعمار والقدرات والاستعدادات كلّها محدودة، وهذا العجز يكشف أنّ وراءها يد القدرة المطلقة التي أفاضت القدرة على كلّ شيء بالمقدار الذي تطلبته حكمته.
وجرى الحديث في العبارة الثالثة عن فناء الكائنات، وهو الفناء الذي يسير طواعية وقد كمن لها الموت بالمرصاد شائت أم أبت، ومن الواضح أنّ هذه الكائنات الفانيّة ليست خالقة لنفسها كما أنّ وجودها لا ينبع من ذاتها وإلّا لما آلت إلى الفناء،