نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٠ - الشرح والتفسير الوحدة والفرقة، والنصر والهزيمة
والاتفاق في جميع مظاهره ليعده عنصر الإقتدار والرفعة، الاتفاق في التطلعات والرغبات والخطط والمشاريع والاتفاق في العمل والاتفاق عند الصلح والقتال وبالتالي وحدة الصفوف في جميع مظاهر الحياة.
ويبدو الدليل على هذا الكلام واضحاً تماماً؛ ذلك لأنّه ليس للأفراد بمفردهم من قدرة كبيرة وكل واحد منهم كالقطرة بحيث لو كانت في صحراء وأشرقت عليها أشعة الشمس أو هبت عليها الريح لحولتها إلى بخار، غير أنّ هذه القطرات أن اجتمعت مع بعضها البعض شكلت تلك البحار العظيمة التي من شأنها أن تكون مصدر لكلّ خير وبركة، فخيط العنكبوت بمفرده ضعيف وايل للزوال ولايسعه الصمود أمام أدنى نسيم، غير أنّهم اليوم يلفونها مع بعضها ليصنعوا منها بدلة مضادة للرصاص والتي تفوق مقاومتها جميع المقاومات وهذا هو دور الاتحاد والاتفاق.
ولعل هذه العبارات واردة بشأن بني إسرائيل حين نهض موسى بن عمران عليه السلام بالأمر ووحّد صفوفهم فشملتهم العناية الإلهيّة والألطاف الربّانيّة فورثوا حكومة مصر والبلدان المجاورة لها، حتى تشكلت بعد موسى عليه السلام حكومات مقتدرة كحكومة داود وسليمان عليهما السلام، وربّما يكون أصلًا كلياً وعاماً حصل كراراً في تاريخ الأمم السابقة، وكلّما كان هنالك اتحاد واتفاق ووحدة قرار وخطة حكيمة كان هنالك الانتصار والغلبة، على كلّ حال فإنّ شرح الإمام عليه السلام يكشف النقاب عن هذه الحقيقة أنّه وإن كانت عدّة عوامل ضرورية للنصر والتقدم إلّاأنّ أهمها مسألة الاتحاد والاتفاق.
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه فذكر العنصر الرئيسي في الفشل والهزيمة وهو الاختلاف؛ الاختلاف في وجهات النظر وتشتت الصفوف، ثم أشار إلى أبعاده المختلفة بخمس عبارات فقال:
«فَانْظُرُوا إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ فِي آخِرِ أُمُورِهِمْ، حِينَ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ، وتَشَتَّتَتِ الْالْفَةُ، واخْتَلَفَتِ الْكَلِمَةُ وَالأَفْئِدَةُ، وتَشَعَّبُوا مُخْتَلِفِينَ،