نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩ - الشرح والتفسير عجزنا عن إدراك صفاته
ذلك قطرة من بحر جوده، كيف لا وهو الخلّاق لما يشاء وفيضه غني عن الحدود [١].
ثم قال عليه السلام: في الصفتين الخامسة والسادسة:
«وَلَا يَنْظُرُ بِعَيْن، وَلَا يُحَدُّ بِأَيْن [٢]».
أجل! إنّه يرى كلّ شيء وكل مكان والعالم برمّته حاضر عنده، مع ذلك ليس له عين ولا مكان، لإنّه أسمى من الزمان والمكان والعوارض الجسميّة.
ثم قال عليه السلام في الصفتين السابعة والثامنة:
«وَلَا يُوصَفُ بِالْازْوَاجِ [٣]، وَلَا يُخْلَقُ
بِعَلَاج».
ذكروا عدّة معانٍ لأزواج منها: جمع زوج مثل النظير والقرين والزوج والشبيه والمثيل والضد والتركيب، ولا مانع من جمع كلّ هذه المفاهيم في العبارة السابقة، أي أنّ اللَّه منزّه عن كلّ هذه الأمور، والعبارة
«لَا يُخْلَقُ بِعَلَاجٍ»
إشارة إلى الناس وأشباههم إن أرادوا خلق شيء- أو بتعبير أدق- إن أرادوا تركيب هيئة من أشياء إنّما يستعينون ببعض الوسائل التي قد تكون بسيطة وأخرى صعبة، والخالق الوحيد الذي لا يحتاج إلى أيّة وسائل وأدوات هو الحقّ سبحانه وتعالى [٤]، بل أبعد من ذلك كما قال القرآن الكريم: «انَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» [٥].
ثم قال في الصفتين التاسعة والعاشرة من صفاته السلبيّة سبحانه:
«وَلَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ، وَلَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ».
إننا نعلم بأنّ دائرة حواس الإنسان هي الأجسام الماديّة، وعليه فالذات القدسيّة
[١]. جاء في الحديث القدسي: «يا عِبادي لَو أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وجِنَّكُمْ قامُوا فِي صَعيدٍ واحِدٍ فَسَأَلُوني فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إنْسان مَسْأَلَتَهُ ما نَقَصَ ذلِكَ مِمّا عِنْدي شَيْئاً إلّاكَما يَنْقُصُ الْمَخيطُ إذا دَخَلَ الْبَحْرَ» (صحيح مسلم، ج ٨، ص ١٧؛ كنز العمال، ج ١٥، ص ٩٢٤).
[٢]. «أين» بمعنى المكان.
[٣]. «أزواج» جمع «زوج» لها معنى واسع يشمل كلّ قرين ومثيل.
[٤]. لابدّ من الإلتفات إلى أنّ كلمة «يخلق» وردت بصيغة المجهول في متن نهج البلاغة لصبحي الصالح ولا يبدولها أي مفهوم صحيح، بينما ذكرها أغلبية الشرّاح مثل المرحوم ابن ميثم ومغنية وعبده والتستري والخوئي والجعفري بصيغة المعلوم والحقّ ما ذكروه، أمّا العبارة «وَلَا يَنْظُرُ بِعَيْن» وإن كانت ذات معنى بصيغة المعلوم إلّاأنّها أنسب مع العبارة اللاحقة بصيغة المجهول.
[٥]. سورة يس، الآية ٨٢.