نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٠ - الشرح والتفسير نظرة إلى كائنات السموات والأرض
ولما فرغ الإمام عليه السلام من استدلالاته الرصينة والمقنعة في إثبات وجود اللَّه اتّجه صوب من ينكر وجود اللَّه ليفند دعواه الواهية بدليلين. (طبعاً قلّما يرى في القرآن ونهج البلاغة كلام بشأن الماديين ومنكري الذات الإلهيّة القدسيّة، ذلك لأنّهم كانوا قلّة قليلة آنذاك وكان أكثر الناس ممن يعتقدون بالأديان والمذاهب).
فقال عليه السلام:
«فَالْوَيْلُ لِمَنْ أَنْكَرَ الْمُقَدِّرَ، وجَحَدَ الْمُدَبِّرَ!».
إشارة إلى أنّ آثار التدبير في أرجاء عالم الخلق كافّة على درجة من الوضوح بحيث لا يستحق منكر مدبر العالم سوى الويل واللعنة.
ثم قال عليه السلام:
«زَعَمُوا أَنَّهُمْ كَالنَّبَاتِ مَا لَهُمْ زَارِعٌ، وَلَا لِاخْتِلَافِ صُوَرِهِمْ صَانِعٌ».
طبعاً هذه العبارة بسبب النظرة الساذجة التي يبديها الإنسان عادة تجاه العلف المهمل والحال من وجهة نظر عالم النبات أنّ كلّ ورقة منها هي دفتر من معرفة اللَّه تعالى وقد توصل العلماء المعاصرون اليوم إلى أنّ آلاف الأنوع من هذا النبات يختزن العديد من الخواص الطبيّة والعلاجيّة ولكلّ منها بنية معقدة، الجذور والسيقان والأوراق والبذور كلّ منها تبدو أعجب من الاخرى، إذن يتّضح من تأمّلها أنّ لها زارعاً وخالقاً عليماً وقديراً.
ثم فند الإمام عليه السلام قولهم بدليلين: فقال أولًا:
«ولَمْ يَلْجَأُوا [١] إِلَى حُجَّة فِيمَا ادَّعَوْا،
ولَا تَحْقِيق لِمَا أَوْعَوْا [٢]».
والدليل الثاني أنّ لكلّ بناء منظم ومبنى مرتب مهندس ومعمار فقال عليه السلام:
«وهَلْ يَكُونُ بِنَاءٌ مِنْ غَيْرِ بَانٍ، أَوجِنَايَةٌ مِنْ غَيْرِ جَانٍ».
وتوجد اليوم العديد من الآثار والمباني هنا وهناك في الكرة الأرضيّة وقد مرّت عليها آلاف السنين وحفظت كآثار تراثية لما فيها من دقة وفنون وليس هنالك أحد
[١]. «يلجأُوا» من مادة «لجوء» على وزن «غروب».
[٢]. «اوعوا» من مادة «وعى» على وزن «سعى» تعني في الأصل حفظ الشيء في القلب ومنه الوعاء.