نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٧ - الشرح والتفسير الموائد الإلهيّة المطلقة
القابل بفاعلية الفاعل.
وخلافاً لما يظنه الوثنيون وعبدة الأصنام والمشركون وأتباعهم في عصرنا الراهن من أنّه لا ينبغي التوجه مباشرة إلى اللَّه ولابدّ من عبادة غيره ليفتح لهم الطريق إليه تعالى، فقد صرح الإمام عليه السلام أن ليس هنالك من مانع ولا رادع في الطريق ولكلّ العباد طرق بابه وإن استعانوا أحياناً بوجاهة الشفعاء فهذا تأكيد آخر على الاتصال المباشر بالذات القدسيّة وإمتثال أوامره.
ثم خاض في توضيح هذا الكلام من خلال الإشارة إلى ثلاث نقاط أخرى ليوضح من خلالها الفارق بين عطاء اللَّه وبذل الآخرين فقال:
«وإِنَّهُ لَبِكُلِّ مَكَان، وفِي كُلِّ حِين وأَوَان، ومَعَ كُلِّ إِنْس وجَانٍّ؛ لَايَثْلِمُهُ [١] الْعَطَاءُ، وَلَا يَنْقُصُهُ الْحِبَاءُ [٢]، وَلَا
يَسْتَنْفِدُهُ سَائِلٌ، وَلَا يَسْتَقْصِيهِ نَائِلٌ».
حيث إنّ اللَّه الرحيم حاضر في كلّ مكان وتمد إلى ساحة كبريائه أعناق وأيدي جميع المحتاجين، بل هو مع كلّ شخص أينما كان، ومن جانب آخر فإنّه ليس لعطائه من حدود، وهو دائم لا ينضب ولا ينفد ولا يخشى عليه التقتير على الآخرين إن منح البعض الآخر، لأنّه وجود لامتناهٍ من جميع الجهات ومن هنا فإنّ جوده وكرمه لا متناهٍ ونعمته وعطاءَه لامتناهيان أيضاً، بل كما ورد في دعاء الافتتاح:
«ولا تَزيدُهُ كَثْرَةُ الْعَطاءِ إِلَّا جُوداً وكَرَماً»
، إشارة إلى أنّه كلّما أفاض أكثر كلّما ازداد أمل الناس بجوده وكرمه.
ثم خاض في المسألة الثالثة:
«وَلَا يَلْوِيهِ [٣] شَخْصٌ عَنْ شَخْص، وَلَا يُلْهِيهِ صَوْتٌ
عَنْ صَوْت، وَلَا تَحْجُزُهُ هِبَةٌ عَنْ سَلْب، وَلَا يَشْغَلُهُ غَضَبٌ عَنْ رَحْمَة، وَلَا تُولِهُهُ [٤]
[١]. «يثلم» من مادة «ثلم» على وزن «صبر» و «ثلمة» على وزن «ضربة» تعني فيالأصل كسر جانب الشيء، ثم اطلقعلى كلّ ما يسبب كسراً لشخص أو شيء.
[٢]. «حباء» من مادة «حبو» على وزن «ختم» تعني فيالأصل العطاء دون مكافأة وهذا هو المعنى المراد.
[٣]. «يلوى» من مادة «ليّ» على وزن «حيّ» بمعنى الاعراض والانحراف والميل.
[٤]. «توله» من «وله» على وزن «فرح» بمعنى الذهول من شدّة الهم والغم ولذلك يقال الواله للعاشق المغموم.