نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٦ - الشرح والتفسير محن الرسالة
خططهم واطفأ بمطر لطفه ورحمته نيران فتنهم ومؤامراتهم فخرج النّبي صلى الله عليه و آله من هذه الأحداث الخطيرة منتصراً مرقوع الرأس وبسط نفوذ الإسلام ونشر راياته في غرب العالم وشرقه.
ولكن حيث كان للمنافقين في الداخل- أولئك الذين أظهروا إسلامهم وإلتحقوا ظاهرياً بركب المسلمين بينما كانت قلوبهم مع الأعداء وتختزن البغض والعداء- دور مهم وخطير تواصل حتى عهد الإمام عليه السلام وتغلغل بين صفوف المسلمين، فقد حذّر المسلمين تحذيرات جدّية بشأن خط النفاق وشرح- كما سياتي- في القسم القادم خصائص المنافقين وأخطارهم وسلط ابن أبي الحديد الضوء هنا على المخاطر والصعوبات التي تخطاها رسول اللَّه إبان الدعوة وقال:
«من قرأ وكتب السيرة علم ما لاقى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في ذات اللَّه من المشقةّ واستهزاء قريش به في أول الدعوة ورميهم إيّاه بالحجارة حتى أدموا عقبيه وصياح الصبيان به وفرث الكرش على رأسه وفتل الثوب في عنقه وحصره وحصر أهله في شعب بني هاشم سنين عدّة محرمة معاملتهم ومبايعتهم ومناكحتهم وكلامهم حتى كادوا يموتون جوعاً لولا أنّ بعضاً ممن كان يحنو لرحم أو لسبب غيره فهو يسرق الشيء القليل من الدقيق أو التمر فيلقيه إليهم ليلًا، ثم ضربهم أصحابه وتعذيبهم بالجوع والوثاق في الشمس وطردهم إيّاهم عن شعاب مكة حتى خرج من خرج منهم إلى الحبشة وخرج عليه السلام مستجيراً منهم تارة بثقيف وتارة ببني عامر وتارة بربيعة الفرس وبغيرهم، ثم اجمعوا على قتله والفتك به ليلًا حتى هرب منهم لائذاً بالأوس والخزرج تاركاً أهله وأولاده حتى وصل المدينة فناصبوه الحرب ولم يزل منهم في عناء شديد وحروب متصلة حتى أكرمه اللَّه تعالى ونصره وادّى دينه، ومن له أنس بالتواريخ يعلم من تفاصيل هذه الأحوال ما يطول شرحه» [١]. (هذه هي الأمور التي أشار إليها الإمام عليه السلام في هذه العبارات القصيرة والعميقة المعنى).
[١]. شرح نهجالبلاغة لابن أبي الحديد، ج ١٠، ص ١٦٥.