نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٨ - الشرح والتفسير وصايا للنجاة من الفتنة
ثم أضاف:
«وَلَا تَصَدَّعُوا [١] عَلَى سُلْطَانِكُمْ فَتَذُمُّوا غِبَ [٢] فِعَالِكُمْ. وَلَا تَقْتَحِمُوا [٣] مَا
اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ فَوْرِ [٤] نَارِ الْفِتْنَةِ، وأَمِيطُوا [٥] عَنْ سَنَنِهَا [٦]، وخَلُّوا قَصْدَ السَّبِيلِ [٧] لَهَا».
هذا الكلام إشارة إلى أنّ الناس إن لم يسهموا في استفحال الفتن ولم يلجوها وابتعدوا عنها وقطعوا دابرها فسوف لن تتنامى مخلفاتها والقضية بالضبط أشبه بسيل الماء العظيم الذي يعجز الناس عن السيطرة عليه، لكنهم إن فسحوا المجال لكي ينحدروا إلى الوديان والسهول فإنّ الاضرار التي تصيبهم ستكون أقل ممّا لو ولجوه وكانوا في وسطه.
ثم ذكر عليه السلام علّة ذلك فقال:
«فَقَدْ لَعَمْرِي يَهْلِكُ فِي لَهَبِهَا الْمُؤْمِنُ، ويَسْلَمُ فِيهَا غَيْرُ الْمُسْلِمِ».
إشارة إلى أنّ موج الفتنة على درجة من القوّة بحيث لو انبرى المؤمنون لمواجهته لهلكوا ولسلم غيرهم من نحّى نفسه عنها، وعليه لا ينبغي تبديد الطاقات عبثاً في مثل هذه الموارد، بل لابدّ من الحفاظ عليها والتربص حتى تحين الفرصة المناسبة وهذا بالضبط الفلسفة الأصليّة للتقية في المسائل الدينيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والتي تعني ببساطة حفظ الطاقات وانتظار الفرصة.
ثم اختتم الإمام عليه السلام الخطبة بالإشارة إلى موقعه بغية فواق الغافلين والانتفاع بفيوضاته عليه السلام فقال:
«انَّمَا مَثَلي بَيْنَكُمْ كَمَثَلِ السِّرَاجِ فِي الظُّلْمَةِ، يَسْتَضِيُ بِهِ مَنْ
[١]. «تصدعوا» من مادة «صدع» على وزن «صبر» تعني في الأصل التشقق ثم جاءت بمعنى التفرق والاختلاف أوافشاء الشيء وأريد بها التفرق.
[٢]. «غبّ» عاقبة الشيء كما جاء بمعنى بين يوم ويوم وأريد به هنا المعنى الأوّل.
[٣]. «تقحموا» من مادة «اقحام» الإلقاء بالنفس دون روية.
[٤]. «فور» و «فوران» معروف.
[٥]. «اميطوا» من مادة «ميط» على وزن «صيت» بمعنى الإبتعاد ومعنى الابعاد في باب الأفعال.
[٦]. «سنن» بمعنى الطريق و «سُنَن» على وزن «كهن» جمع «سنّة» بمعنى الأساليب.
[٧]. «قصد السبيل» يعني وسط الطريق سواء طريق الحقّ أم الباطل ولكن غالباً ما تطلق على السبيل الوسط للحقّ قال القرآن: «وَعَلى اللَّهِ قَصدُ السَّبيل» (النحل، الآية ٩) وأريد بها في الخطبة المعنى الأوّل.