نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٨ - الشرح والتفسير خطر المنافقين
فالصفة الأُولى التي ذكرها الإمام عليه السلام للمنافقين تتمثل في ضلالهم؛ ليس ضلالهم فحسب بل إصرارهم على إضلال وإغواء الآخرين، أضف إلى ذلك فهم خاطئون يسعون إلى قذف الآخرين في لهوات الخطأ والزلل.
ويبدو الفارق بين الضالّين والزالّين واضحاً، فالأولى: إشارة إلى السير عن عمد وعلم في طريق الضلال والغواية، وتشير الثانية إلى كثرة زلاتهم وأخطائهم.
نعم! فزلاتهم جمة كثيرة وكيف لا تكون كذلك ولم يستضيئوا بنور العلم والإيمان.
وبغض النظر عن هذه الخصال الذميمة الأربع فهم أفراد متلونون يخرجون كلّ يوم بلون معين ويلبسون شكلًا آخر في كلّ زمان ليحققوا أغراضهم الدنيئة من خلال ذلك فإذا كانوا بين المصلّين وقفوا للصلاة، وإن خالطوا أهل الخمور والفجور انغمسوا في تعاطيها، بالضبط كما وصفهم القرآن: «وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ» [١].
وربّما يكون الفارق بين
«يتلّونون» و «يفتنون»
أنّ الأُولى تشير إلى جوانبهم وأبعادهم الظاهريّة حيث يكتسبون كلّ يوم لوناً، والثانية إشارة إلى خططهم الخفيّة بحيث يعمدون كلّ يوم لخطة مشبوهة، فطبيعة النفاق تتمثل في أقوالهم وأفعالهم وخططهم.
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه في هذا الإطار فأشار إلى ست صفات أخرى من الصفات الخطيرة التي يتصف بها المنافقون بعبارة قصيرة عميقة المعنى فقال:
«وَيَعْمِدُونَكُمْ [٢] بِكُلِّ عِمَاد، ويَرْصُدُونَكُمْ [٣] بِكُلِّ مِرْصَاد. قُلُوبُهُمْ دَوِيَّةٌ [٤]،
[١]. سورة البقرة، الآية ١٤.
[٢]. «يعمدونكم» من مادة «عمد» المراد أنّهم يعتمدون كلّ وسيلة للقدح بكم.
[٣]. «يرصدونكم» من «رصد» على وزن «صدف» بمعنى الاستعداد للمراقبة وبمعنى التربص والارتقاب.
[٤]. «دوية» من مادة «دوّيً» من «دواً» بمعنى المرض ودوّى (صفة مشبهه على وزن فعيل) بمعنة المريض ومؤنثه دوّية ولكن «دواء» على وزن دمار من هذه المادة بمعنى ما يعالج به المرض.