نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٥ - الشرح والتفسير صفات المتّقين
طبعاً تقسيم المعيشة لا يعني وصول كلّ شيء للإنسان في داره دون سعي ومثابرة، ولكن الرزق يأتي بالسعي والجهد فقد خلق اللَّه جميع الموارد ودعى الجميع للسعي والعمل، وهكذا المقامات الظاهريّة التي افاضها اللَّه على العباد لا تتحصل هي الأخرى دون السعي والجد والاجتهاد.
جدير ذكره أننا أن شاهدنا موت البعض في العصر الراهن بسبب الجوع، فذلك ليس معلولًا لشحة المواد وقلتها، بل يعزى ذلك إلى ظلم وجور الطبقة الأنانيّة النفعيّة المستغلة، فلو كان هنالك تقسيم عادل في الأرزاق لما جاع أحد حتى في ظلّ أصعب السنين قحطاً.
ولم يوفّر اللَّه تعالى الرزق للإنسان فحسب دون الكائنات، بل وفر ذلك بصورة مذهلة لجميع الأحياء والحيوانات، فلم يغفل عن نطفة في جنين ولا يرقة في بيضة طائر أو بذرة نبات ووفّر للجميع ما يحتاجون إليه، وتبدو قصّة تقسيم الأرزاق في مختلف أساليبها وطرقها لمن القصص العجيبة التي ينبغي أن تؤلف فيها الكتب.
ثم خاض عليه السلام في بيان السجايا البارزة للمتّقين فاستهلها بثلاث صفات بارزة وقال:
«فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ، مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ، ومَلْبَسُهُمُ الاقْتِصَادُ، ومَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ».
العبارة:
«مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ»
إشارة إلى الخطوة الأُولى في تهذيب الإنسان وتربيته والتي تتمثل في صون لسانه ومنطقه؛ اللسان الذي تصدر بواسطته الكبائر، كما تحقق بواسطته أفضل العبادات، فإنّ صلح صلح كلّ ما في الإنسان وإن فسد فسد كلّ شيء فيه.
ولمفردة
«صواب»
، هنا مفهوم غاية في السعة يشمل كلّ كلمة حقّ وحكمة، نعم فالمتقون ينبرون قبل كلّ شيء لصون ألسنتهم ومنطقهم، ومن هنا يعتقد أصحاب السير والسلوك أنّ صون اللسان يعد الخطوة الأُولى في إصلاح الذات، ذلك لأنّ صلاحه يعني صلاح سائر الأعضاء، قال تعالى في كتابه العزيز: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا