نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٧ - التكبر والعصبية
وتمجيدها بحقّ وبغير حقّ، وتعصب من مادة عصب على وزن غضب بمعنى الأوعية الخاصّة التي تربط عضلات الإنسان بدماغه وتشكل سلسلة الأعصاب.
ثم اطلقت على الفئة والجماعة المنسجمة فكرياً والمتعاضدة فيما بينها، ويطلق على هذه الجماعة
«عُصبة»
على وزن
«سُفرة»
وتطلق مفردة
«تعصّب»
عادة على التبعية الهمجية المطلقة والتي يفرزها عادة الجهل وضيق التفكير والكبر؛ لأنّ الشخص الذي يريد أن يلصق بنفسه قيمة معينة يسعى لإكبار من يتعلق به أو يتعلق بهم، فيتجاهل نقط ضعفهم ويبالغ في تضخيم نقاط قوتهم إن وجدت فيهم.
وهذه الرذيلة الأخلاقيّة الجاهليّة إذا انطلقت من التعصب العرقي والقبلي فإنّها تؤدّي إلى اندلاع النزاعات والحروب والعنف والصراعات الدمويّة التي حدثت في التاريخ القديم والتاريخ المعاصر.
ولعل أحداً لم يأمن مخاطر الكبر والعصبيّة منذ التاريخ الجاهلي حتى تاريخنا الراهن. فقد نشب في العصر الجاهلي قتالان عنيفان بين القبائل العربية باسم الفجار المعروفة في التاريخ. حيث حدثت فجار الأُولى حين كان لفرد من قبيلة بني كنانة دين بذمة رجل من قبيلة هوازن الذي ما كان يستطيع تسديد دينه؛ فشاهد الرجل الهوازني قرداً في سوق عكاظ (السوق الذي كان يعقد كلّ سنة قرب الطائف) وقال:
هل مِن رجل يبيعني هذا القرد مقابل ديني من فلان الكناني ومراده من هذا الكلام تحقير الرجل الكناني الذي عجز عن تسديد دينه، وهنا قام رجل من كنانة فقتل القرد، فصرخ الهوازني بوجه الرجل واستنجد الكناني بقبيلته فاقتتلت القبيلتان قتالًا شديداً.
وفجار الثانية التي حدثت بعد وفاة عبد المطلب، وسببها أنّ فتى من قبيلة بني غفار جلس في زاوية من سوق عكاظ ومد رجليه وكان يقول: أنا أفضل العرب ومن لم يقبل ذلك فليقطع رجليَّ، فانبرى له فتى جاهل من قبيلة بني قيس وسل سيفه وضربه على رجليه، فاقتتلت قبيلتيهما قتالًا شديداً حتى تصالحا بعد مدّة من