نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٤ - الشرح والتفسير الأهوال القادمة
ثم تعرض الإمام عليه السلام إلى أهم وسائل العبرة والعظة فرسمها بصورة دقيقة ومعبرة فقال:
«وبَادِرُوا الْمَوْتَ وغَمَرَاتِهِ، [١] وامْهَدُوا لَهُ قَبْلَ حُلُولِهِ، وأَعِدُّوا لَهُ قَبْلَ نُزُولِهِ:
فانَّ الْغَايَةَ الْقِيَامَةُ؛ وكَفَى بِذلِكَ وَاعِظاً لِمَنْ عَقَلَ، ومُعْتَبَراً لِمَنْ جَهِلَ!».
فمن الطبيعي أنّه ينبغي للشخص المقبل على سفر مليىء بالأخطار والذي لا عودة فيه، من التأهب التام له وتوفير جميع السبل التي تلزم للمسير إليه وهو السفر المعروف بسفر الآخرة الشاق، وممّا لا شك فيه أنّه ليس هنالك أي خشية أو قلق إن اتجه الإنسان إليه بصحيفة أعمال مليئة بالحسنات وخالية من السيئات، وهنا خاض الإمام عليه السلام في ذكر جانب من الحوادث المريرة للموت والقبر فقال:
«وقَبْلَ بُلُوغِ الْغَايَةِ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ ضِيقِ الأَرْمَاسِ [٢]، وشِدَّةِ الإِبْلَاسِ [٣]، وهَوْلِ الْمُطَّلَعِ [٤]،
ورَوْعَاتِ [٥] الْفَزَعِ، واخْتِلَافِ الأَضْلَاعِ [٦]، واسْتِكَاكِ [٧] الأَسْمَاعِ، وظُلْمَةِ اللَّحْدِ، وخيفَةِ
الْوَعْدِ، وغمِّ الضَّرِيحِ [٨]، وَرَدْمِ [٩] الصَّفِيحِ [١٠]».
بالإلتفات إلى أنّ الموت لا يعني لنا انتهاء كلّ شيء حيث تبقى الروح بعد الموت تعيش الحياة الأخرى الخالدة، فإنّ القبور الضيقة والمظلمة مقارنة بالبيوت الواسعة والجميلة تبدو غاية في الوحشة إلى جانب القلق المتعلق بضغطة القبر والخوف من
[١]. «غمرات» جمع «غمرة» على وزن «ضربة» بمعنى إزالة آثار الشيء، ثم اطلقت هذه المفردة على ما يغطي تماموجه الأرض، ووردت في هذه الخطبة بمعنى غمرات الموت وشدائده التي تستولي على تمام وجود الإنسان.
[٢]. «أرماس» جمع «رمس» بمعنى القبر والتراب وهذا هو المعنى المراد بها أي القبر.
[٣]. «إبلاس» تعني في الأصل الحزن الذي يصيب الإنسان في أوقات الشدّة.
[٤]. «مطلع» تعني في الأصل الموضع المرتفع ثم اطلق على مواقف يوم القيامة أو عالم البرزخ الذي يطلع فيه الإنسان على نتيجة أعماله.
[٥]. «روعات» جمع «روع» بمعنى الخوف.
[٦]. «اضلاع» جمع «ضلع» المواضع جوانب الصدر.
[٧]. «استكاك» من مادة «سك» بمعنى سدّ الشيء واستكاك الاسماع صممها على أعتاب الموت.
[٨]. «ضريح» القبر أو اللحد في وسط القبر.
[٩]. «ردم» غلق الشيء كما تطلق على السد الكبير ومل الحفرة بالتراب.
[١٠]. «الصفيح» الحجر العريض.