نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٥ - الشرح والتفسير منزلة التقوى
مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ».
والكلام إشارة لما ورد في القرآن: «حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّى أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوقَائِلُهَا» [١].
ومراد الإمام عليه السلام بادروا اليوم إلى العمل الصالح والتوبة من الذنب قبل أن تعيشوا مثل هذا المصير وتطلبوا ما لا يلّبى لكم.
وحث إثر ذلك على التأهب لسفر الآخرة والاستعداد والتزود لذلك السفر الطويل والمليئ بالمخاطر فقال:
«وأَنْتُمْ بَنُو سَبِيل، عَلَى سَفَر مِنْ دَار لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ».
واختتمها بالعبارة:
«وقَدْ أُوذِنْتُمْ مِنْهَا بِالْارْتِحَالِ، وأُمِرْتُمْ فِيهَا بِالزَّادِ».
وعادة ما يلاحظ مثل هذا التشبيه الرائع للدار الآخرة والدنيا وسكنة هذا العالم في بعض الآيات القرآنيّة والعديد من الروايات الإسلاميّة التي شبهت الإنسان بالمسافر الذي ينطلق نحو الهدف المطلوب وعليه أن يطرق بعض الأيّام أثناء الطريق فيتوقف في بعض الأماكن فيهيء الزاد والمتاع وينطلق من هناك وليس المراد من الزاد والمتاع سوى التقوى كما ليس المراد من المركب سوى الإيمان، فأولئك الذين يقصرون في الإعداد إنّما يتخلّفون في الطريق ويهلكون ولا يبلغون المقصد قط فقافلة الأنبياء والأوصياء عليهم السلام مازالت تنادي بالرحيل والتزود لذلك السفر الطويل، وإن غط البعض في نوم عميق وفقد الآذان الصاغية فصم عن سماع ذلك النداء.
قال تعالى في محكم كتابه:
«وَإِنَّ الْاخِرَةَ هِىَ دَارُ الْقَرَارِ» [٢]
. وقال: «وَتَزَوَّدُوا فَإِنَ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى» [٣].
[١]. سورة المؤمنون، الآيتان ٩٩ و ١٠٠.
[٢]. سورة غافر، الآية ٣٩.
[٣]. سورة البقرة، الآية ١٩٧.