نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٥ - الشرح والتفسير الموائد الإلهيّة المطلقة
القسم الثاني
واعْلَمُوا، عِبَادَ اللَّهِ، أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً، ولَمْ يُرْسِلْكُمْ هَمَلًا، عَلِمَ مَبْلَغَ نِعَمِهِ عَلَيْكُمْ، وأَحْصَى إِحْسَانَهُ إِلَيْكُمْ، فَاسْتَفْتِحُوهُ، واسْتَنْجِحُوهُ، واطْلُبُوا إِلَيْهِ واسْتَمْنِحُوهُ، فَما قَطَعَكُمْ عَنْهُ حِجَابٌ، وَلَا أُغْلِقَ عَنْكُمْ دُونَهُ بَابٌ، وإِنَّهُ لَبِكُلِّ مَكَان، وفِي كُلِّ حِين وأَوَان، ومَعَ كُلِّ إِنْس وجَانٍّ؛ لَايَثْلِمُهُ الْعَطَاءُ، وَلَا يَنْقُصُهُ الْحِبَاءُ، وَلَا يَسْتَنْفِدُهُ سَائِلٌ، وَلَا يَسْتَقْصِيهِ نَائِلٌ، وَلَا يَلْوِيهِ شَخْصٌ عَنْ شَخْص، وَلَا يُلْهِيهِ صَوْتٌ عَنْ صَوْت، وَلَا تَحْجُزُهُ هِبَةٌ عَنْ سَلْب، وَلَا يَشْغَلُهُ غَضَبٌ عَنْ رَحْمَة، وَلَا تُولِهُهُ رَحْمَةٌ عَنْ عِقَاب، وَلَا يُجِنُّهُ الْبُطُونُ عَنِ الظُّهُورِ، وَلَا يَقْطَعُهُ الظُّهُورُ عَنِ الْبُطُونِ. قَرُبَ فَنَأَى، وعَلَا فَدَنَا، وظَهَرَ فَبَطَنَ، وبَطَنَ فَعَلَنَ، وَدَانَ ولَمْ يُدَنْ. لَمْ يَذْرَءِ الْخَلْقَ بِاحْتِيَال، وَلَا اسْتَعَانَ بِهِمْ لِكَلَال.
الشرح والتفسير: الموائد الإلهيّة المطلقة
أشار الإمام عليه السلام في هذا المقطع من الخطبة إلى ثلاث مسائل رئيسيّة: الأُولى هدف الخليقة، ثم النعم الجمة التي تفاض على جميع العباد، وأخيراً التأكيد على المراقبة الدائمية والحضور الإلهي في كلّ مكان وعلى كلّ حال. فقال في الأمر الأوّل:
«واعْلَمُوا، عِبَادَ اللَّهِ، أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً، ولَمْ يُرْسِلْكُمْ هَمَلًا [١]».
وهذا هو اقتباس من الآية الشريفة: «أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا
[١]. «همل» من مادة «همل» على وزن «حمل» تعني فيالأصل ترك الجمال دون راعٍ، ثم اطلقت على كلّ شخص أو عمل دون مشرف.