نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٦ - الشرح والتفسير عناصر انتصار المؤمنين الأوائل
ثم تطرق عليه السلام إلى توضيح تلك الامتحانات الصعبة فقال:
«أَلَمْ يَكُونُوا أَثْقَلَ الْخَلَائِقِ أَعْبَاءً [١]، وأَجْهَدَ العِبَادِ بَلَاءً، وأَضْيَقَ أَهْلِ الدُّنْيَا حَالًا».
ثم غاص أكثر في التوضيح بهذا الشأن ليركز على ما واجهتهم من صعوبات في حياتهم فقال:
«اتَّخَذَتْهُمُ الْفَرَاعِنَةُ عَبِيداً فَسَامُوهُمْ [٢] سُوءَ الْعَذَابِ، وَجَرَّ عُوهُمُ
الْمُرَارَ [٣]، فَلَمْ تَبْرَحِ الْحَالُ بِهِمْ فِي ذُلِّ الْهَلَكَةِ وقَهْرِ الْغَلَبَةِ، لَايَجِدُونَ حِيلَةً فِي امْتِنَاع،
وَلَا سَبِيلًا إِلَى دِفَاع».
ورغم أنّ خطوب حياة الأقوام السابقة وامتحاناتهم الصعبة والشاقّة لا تقتصر على زمان الفراعنة، ولكن بما أنّ القرآن أشار كراراً إلى المصائب التي عانى منها بنو إسرائيل في زمان فرعون والتي يعرفها جميع المسلمين، فقد أشار الإمام عليه السلام على وجه الخصوص إلى تلك الحقبة حيث تحول فيها الجميع إلى عبيد من جانب وكانوا يضطرونهم إلى أعقد الأعمال ويزودونهم بأدنى الإمكانات وحين يشعرون بالخطر يعمدون إلى قتل رجالهم واستحياء نسائهم واستعمالهن للخدمة، وقد مضت عليهم عدّة سنين ولم يكن لهم من سبيل للنجاة حتى تلطف اللَّه عليهم فكانت معجزة اللَّه في انتصارهم على عدوهم بهلاك الفراعنة وأعوانهم، حيث قال عليه السلام في مواصلته لكلامه
«حَتَّى إِذَا رَأَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ جِدَّ الصَّبْرِ مِنْهُمْ عَلَى الأَذَى فِي مَحَبَّتِهِ، والْاحْتِمَالَ لِلْمَكْرُوهِ مِنْ خَوْفِهِ، جَعَلَ لَهُمْ مِنْ مَضَايِقِ الْبَلَاءِ فَرَجاً».
نعم! فحين يجتاز الإنسان الامتحان يبعث اللَّه عليه ما يفرج عنه مشكلاته وفتُشرق عليه شمس النصر والغلبة، الأمر الذي لمسناه في موسى عليه السلام وقومه.
فقد أشار الإمام عليه السلام في هذه العبارة إلى نصرهم بصورة كليّة، ثم خاض في التفاصيل فقال:
«فَأَبْدَلَهُمُ الْعِزَّ مَكَانَ الذُّلِّ، والأَمْنَ مَكانَ الْخَوْفِ، فَصَارُوا مُلُوكاً
[١]. «أعباء» جمع «عِبء» على وزن «فكر» بمعنى الحمل الثقيل.
[٢]. «ساموا» من مادة «سوْم» على وزن «قوم» بمعنى البحث عن شيء أو إجبار الآخرين على العمل وكذلكالاستمرار أي أنّ العبارة «ساموهم ...» تعني استمرارهم في عذاب بني اسرائيل.
[٣]. «مرار» نوع من الشجرة المرة المذاق. ثم اطلقت على كلّ حادث مرير.