نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٤ - الشرح والتفسير اجتناب الفرقة
الشرح والتفسير: اجتناب الفرقة
أشار الإمام عليه السلام في المقاطع السابقة إلى شؤون بني إسرائيل وضعفهم قبل قيام موسى عليه السلام ومن ثم قوتهم واقتدارهم في ظلّ حركة موسى التي وحدت صفوفهم وبالتالي ضعفهم وذلتهم ثانية حين تولوا عن الدين الجديد ودعوة موسى، فذكّر المسلمين بهذه المراحل الثلاث، المرحلة الأُولى المتعلقة بالعصر الجاهلي، والمرحلة الثانية المرتبطة بانبثاق الدعوة الإسلاميّة وما انطوت عليه من انتصارات باهرة والذي مر علينا في الأقسام السابقة، وخاض هنا في تفاصيل المرحلة الثالثة التي انطوت على تخلف المسلمين عن الوحدة والانتصارات السابقة فقال:
«أَلَا وإِنَّكُمْ قَدْ نَفَضْتُمْ [١] أَيْدِيَكُمْ مِنْ حَبْلِ الطَّاعَةِ، وثَلَمْتُمْ [٢] حِصْنَ اللَّهِ الْمَضْرُوبَ عَلَيْكُمْ،
بِأَحْكامِ الْجَاهِلِيَّةِ).
ثم خاض عليه السلام في شرح هذا الكلام فقال:
«فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدِ امْتَنَّ عَلَى جَمَاعَةِ هذِهِ الْامَّةِ فِيمَا عَقَدَ بَيْنَهُمْ مِنْ حَبْلِ هذِهِ الْالْفَةِ الَّتي يَنْتَقِلُونَ فِي ظِلِّهَا، ويَأْوُونَ إِلَى كَنَفِهَا [٣]، بِنِعْمَة لَايَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ لَهَا قِيمَةً، لِانَّها أَرْجَحُ مِنْ كُلِّ ثَمَن، وأَجَلُ
مِنْ كُلِّ خَطَر».
فكلّ هذه العبارات تشير إلى أهميّة الاتحاد والإلفة، الأمر الذي أكّده القرآن الكريم في عدّة مواضع في قوله تعالى: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً [٤]» [٥].
[١]. «نفضتم» من مادة «نفض» على وزن «نبض» بمعنى تحريك الشيء لإخراج ما في داخله والمراد في العبارةتقطع عرى الطاعة.
[٢]. «ثلمتم» من مادة «ثلم» على وزن «عزم» بمعنى الخرق والكسر.
[٣]. «كنف» بمعنى الحماية.
[٤]. سورة آل عمران، الآية ١٠٣.
[٥]. وشاهدنا آثار هذا الأمر القرآني وتعليمات الإمام في أيّامنا هذه، وقد أعدّ أعداء الإسلام والاستعمار الغربي خططاً جهنميّة ضد البلدان الإسلاميّة ولبنان ليسيطروا عليها بواسطة عملائهم في المنطقة، لكي تضمن حماية إسرائيل من جانب ولتكون قاعدة من جانب آخر للتطاول على سائر البلدان الإسلاميّة غير أنّ الشعب اللبناني عبّر عن وحدته في ذلك اليوم التاريخي (يوم ٢٦ محرم الحرام ١٤٢٦) ليخرج بتلك المسيرات المليونية ويطلق الشعارات المعادية للامبريالية فأفشل تلك الخطط: «وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ».