نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٦ - الشرح والتفسير اجتناب الفرقة
وقال جمع من شرّاح نهج البلاغة إنّ العبارة
«النّارَ ولَا الْعارَ»
عظيمة إن كانت في الأهداف القدسيّة، بينما تعدّ قبيحة ومذمومة إن كانت في المفاخر القبليّة الواهيّة.
إنّما يصح هذا الكلام إن لم تكن النار بمعنى جهنم، بل كانت بمعناها الواسع الذي يشمل نار المشاكل الدنيوية أيضاً، مثلًا يقال (نتحمل جميع المحن وحتى الموت لكننا لا نقبل بسيطرة الكفّار على البلاد الإسلاميّة) فالشعار بالطبع صحيح؛ أمّا أن يقال (نحن مستعدون لدخول النار لكننا لا نتحمل أفضلية القبيلة الفلانيّة) فالشعار هنا خاطئ وينسجم مع العصبية الجاهلية.
وعليه فلا يبدو صحيحاً ما ذكره المحقق التستري في شرحه لنهج البلاغة حيث صرّح بأنّ هذا التقسيم مضحك، ذلك لأنّ من قال بهذا التقسيم إنّما فسّر النار بمعناها الواسع، رغم إنّ ما ورد في كلام الإمام عليه السلام على لسان المتعصبين آنذاك يراد به الجانب السلبي لذلك الشعار.
ثم أشار عليه السلام إلى العاقبة السيئة لهذا الأسلوب فقال:
«وإِنَّكُمْ إِنْ لَجَأْتُمْ إِلَى غَيْرِهِ [١]
حَارَبَكُمْ أَهْلُ الْكُفْرِ، ثُمَّ لَاجَبْرَائِيلُ وَلَا مِيكائِيلُ وَلَا مُهَاجِرُونَ وَلَا أَنْصَارٌ [٢]
يَنْصُرُونَكُمْ إِلَّا الْمُقَارَعَةَ [٣] بِالسَّيْفِ [٤] حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكُمْ».
إشارة إلى أنّكم حين كنتم متمسكين آنذاك بالإسلام فقد أمدكم اللَّه بنصرته بملائكته وعنايته الغيبية التي عمت الأنصار والمهاجرين، فدحرتم الأعداء ونلتم
[١]. مرجع الضمير في «غيره» هو الإسلام الذي سبق ذكره، كما احتمل البعض أن يكون المراد اللَّه.
[٢]. جاءت مفردة «لا» في أربعة موارد وردت في هذه الجملة ولو كانت «لا» نافيه للجنس لابدّ أن يراد جبرائيلوميكائيل والمهاجرون والأنصار بالنصب، كما جاء في بعض النسخ. وإن اعتبرناها «لا» نافية (اللام المشبهة بليس) فلابدّ أن تقرأ الكلمات الأربع المذكورة بالرفع كما جاءت في النسخة الموجودة.
[٣]. «المقارعة» النزاع والقتال والضرب.
[٤]. العبارة «إِلَّا المُقارَعَةَ بِالسَّيْفِ» يحتمل أن تكون من قبيل الاشتثناء المنقطع، إشارة إلى أنّه سوف لن يكون لكم من نصير ومعين سوى الضرب بالسيف والذي لا يسعها أن تؤدّي إلى النصر مع ما أنتم عليه من الفرقة، وعليه ستهزمون، كما ذهب بعض شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ العبارة المذكورة استثناء متصل، أي أنّ معينكم الوحيد سيوفكم التي فيها نصركم، ولكن يبدو أنّ هذا الاحتمال لا ينسجم مع سياق عبارات الإمام عليه السلام.