نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٨ - الشرح والتفسير اجتناب الفرقة
فقد اثبت التاريخ وقوع هذا العذاب رغم تأخيره، وبالطبع فليس لهذا التأخير من أهميّة مقارنة بعمر العالم.
ثم خاض عليه السلام في أسباب هذا الموضوع (التشابه في المصير) ليركز على أهمها فقال:
«فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَلْعَنِ الْقَرْنَ الْمَاضِيَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ إِلَّا لِتَرْكِهِمُ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ. فَلَعَنَ اللَّهُ السُّفَهَاءَ لِرُكُوبِ الْمَعَاصِي، والْحُلَمَاءَ [١] لِتَرْكِ
التَّنَاهِي».
والكلام إشارة إلى الآية القرآنيّة الشريفة التي تقول: «لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ* كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُّنكَر فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ» [٢].
وبالطبع وردت إشارات إلى سائر عوامل سقوطهم في القسم القادم من الخطبة؛ إلّا أنّ عبارة الإمام عليه السلام تشير إلى أنّ أفدح أخطائهم تركهم فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك لأنّ تطبيق جميع الأحكام الشرعيّة يتوقف على إحياء هاتين الفريضتين، فإن أُقيمتا أُقيمت جميع الفرائض وإن تركتا تعطلت سائر الفرائض والت إلى الفناء والزوال، ولذلك ورد عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال:
«إنَّ الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ والنَّهْىَ عَنِ الْمُنْكَرِ ... فَريضَةٌ عَظيمَةٌ بِها تُقامُ الْفَرائِضُ» [٣].
وسنتطرق إن شاء اللَّه في الخطب القادمة إلى الأهميّة الفائقة لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام في الموضع الذي ورد الحديث فيه صراحة عن هذه الفريضة.
ثم اختتم الإمام عليه السلام كلامه في هذا الجانب من الخطبة بالقول:
«أَلَا وقَدْ قَطَعْتُمْ قَيْدَ الْاسْلَامِ، وعَطَّلْتُمْ حُدُودَهُ، وأَمَتُّمْ أَحْكامَهُ».
[١]. «الحلماء» جمع «حليم» بمعنى العاقل ومن مادة «حُلُم» على وزن «سُبُل» بمعنى العقل.
[٢]. سورة المائدة، الآيتان ٧٨ و ٧٩.
[٣]. الكافي، ج ٥، ص ٥٦.