نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨ - الشرح والتفسير التذكير بما يلزم!
تشير هذه العبارات إلى أنّ الإمام عليه السلام كان يستغل كلّ فرصة بغية هداية أهل الكوفة الذين عرفوا بالضعف والتشتت وقد مارس شتّى الأعمال الثقافية بهذا الشأن حتى أفاض عليهم مختلف مواعظ الأنبياء وإرشادات الأوصياء إلّاأنّ المطر الرحمة الإلهيّة لم يجد له من سبيل في أرض قلوبهم السبخة، ثم تخلى عن الرفق والمرونة ليجابههم بشدة علهم يعودون إلى أنفسهم ويعيشون الوحدة؛ ومرّة أخرى لم تجد هذه المسامير من سبيل في تلك الأحجار الصلدة، ليتّضح بجلاء أن لا نقص ولا عيب في الزعامة والقيادة، بل العيب كلّه في تلك الفئة الجاهلة الفاقدة للحميّة.
كما تفيد هذه العبارات أنّ مساعي جميع الأنبياء والأوصياء لا تبدو مجدية مع هؤلاءالقوم.
«للَّهِ أَنْتُمْ! أَتَتَوَقَّعُونَ إِمَاماً غَيْرِي يَطَأُ بِكُمُ الطَّرِيقَ، ويُرْشِدُكُمُ السَّبِيلَ؟».
أي حين لا يتمكن زعيم مثلي من إعادتكم إلى جادة الصواب فسوف لن يكون هنالك قط من يسعه القيام بذلك.
والغريب أنّه رغم حالة اليأس والقنوط التي تفرزها طبيعة تلك الفئة إلّاأنّ الإمام عليه السلام لا يكفّ عن النصح والإرشاد، فيستعرض لهم طبيعة ما حولهم وما تحكمه من ظروف ويكشف لهم عن منزلة الشهادة في سبيل اللَّه فيقول:
«أَلَا إِنَّهُ قَدْ أَدْبَرَ مِنَ الدُّنْيَا مَا كَانَ مُقْبِلًا، وأَقْبَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مُدْبِراً».
إشارة إلى اقبال جميع الفضائل على المجتمع الإنساني إبان بزوغ فجر الإسلام وشروق شمس النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله، إلّاأنّ هذه القيم والسنن الإلهيّة قد ولّت ظهرها لهذا المجتمع وحلّت محلّها قبائح عصر الجاهلية التي طويت صفحتها عن المجتمع الإسلامي بفعل ظهور بني أميّة وسليلي عصر الجاهلية.
ثم ذكر عليه السلام مقدمة بهدف الاشادة بمقام الشهداء في سبيل اللَّه وترسيخ ثقافة الجهاد والشهادة إزاء الطواغيت والظلمة فقال:
«وأَزْمَعَ [١] التَّرْحَالَ [٢] عِبَادُ اللَّهِ الأَخْيَارُ،
[١]. «أزمع» من مادة «زمع» على وزن «شمع» في الأصل بمعنى التصميم على الشيء.
[٢]. «ترحال» من مادة «رحلة» بمعنى السفر والحركة.