نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٢ - قبسات من برهان النظم
جمعوا مقداراً من مواد البناء فبنوا هذاالبناء الرائع دون أن يكون لديهم أدنى فن أو خبرة؟
قطعاً أنّ كلّ من يحتمل هذا الشيء إمّا أن يمزح أو أنّه فقد عقله، فالعقلاء كافّة يحكمون بأنّ بعض الأفراد الأذكياء أعدّوا خريطة مسبقة ثم تكاتف عدد من المهندسين البنائين المهرة والمختصين وذوي المهن المنزلية ليشيّدوا معاً هذا المبنى.
ويصدق هذا الكلام على كلّ بناء وكل مصنع وكل كتاب علمي و ... ويعبر عن ذلك ببرهان النظم ويقال إنّ النظم يدل دائماً على عقل وشعور من يأتي به، وكلّما كان النظم أدق وأعقد كان صاحبه أوعى عقلًا وشعوراً وعلماً.
ولو تأمّلنا بنية نملة والتي يمكن أن نقضي عليها لحظة واحدة دون أن نلتفت إليها لوقفنا على أنّها أعظم وأهم من تلك المباني الشاهقة والضخمة، فبنية الأرجل، ومفاصلها والأيدي والمجسّات والعين الغاية في الصغر وجهاز الشامّة القوي الذي يمكنها من الشمّ من مسافات بعيدة والفم والأمعاء وجهاز الهضم وسلسلة الأعصاب والأهم من كلّ ذلك الدماغ الغاية في الصغر والخارق للذكاء لكشف كلّ منها بمفرده خلقه من قبل خالق عالم وقدير.
أضف إلى ذلك فإنّ هذه الحشرة الصغيرة تتغذى وتنمو وتنجب بينما ذلك المبنى الضخم موجود جامد خالٍ من الروح لا يأكل ولا يشرب ولا ينمو ولا ينجب.
والحقّ أنّ إيماننا ليتعمق بذلك الخالق القادر والعالم إن اتجهنا صوب بنية الإنسان وأجهزته الغاية في التعقيد كالقلب والدماغ والأعصاب وأُلوف الكيلومترات من الشرايين والأوعية الدمويّة التي تغذي كلّ لحظة جميع ذرات البدن.
أضف إلى ذلك فإننا نعلم أنّ العالم يحتوي على مئات الأُلوف من أنواع النباتات ومئات الأُلوف من أنواع الحيوانات والطيور والحشرات و ... ولكلّ منها قصته العجيبة والمذهلة.
والقرآن المجيد جعل كلّ واحدة منها آية من آياته فقال: «سَنُرِيهِمْ ايَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِى أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ» [١].
[١]. سورة فصلت، الآية ٥٣