نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١١ - الشرح والتفسير قدرته المطلقة في خلق الكائنات
هل تدري هذه الحشرة أنّه يتعذر عليها الخروج من عشها في بعض أيّام الشتاء؟
وهل تفهم المقدار الذي تحتاجه من المواد الغذائيّة في تلك المدّة؟ وهل تعي طبيعة المواد التي يمكن أن تبقى سالمة أو فاسدة خلال هذه المدّة؟ وهل تعلم أين هذه المواد وكيف يجب عليها الحصول عليها؟
نعم، إنّها تعرف كلّ ذلك بعد أن علّمها خلقها.
ثم تطرق الإمام عليه السلام إلى البنية العجيبة لهذا المخلوق الحي الصغير فقال:
«ولَوفَكَّرْتَ فِي مَجَارِي أَكْلِهَا، فِي عُلْوِهَا وسُفْلِهَا، ومَا فِي الْجَوْفِ مِنْ شَرَاسِيفِ [١]
بَطْنِهَا، ومَا فِي الرَأْسِ مِنْ عَيْنِهَا وأُذُنِهَا، لَقَضَيْتَ مِنْ خَلْقِهَا عَجَباً، ولَقِيتَ مِنْ وَصْفِهَا تَعَباً!».
إشارة إلى أنّ الإنسان لو تأمّل خلق هذا الموجود الصغير الذي لا يرى بسهولة لرآى عالَماً عجيباً حقّاً فذلك الرأس الغاية في الصغر يضم العين والأذن والفم وقرنان كأنّهما هوائيان تستفيد منهما في الإرتباط بالعالم الخارجي وتحوي بطنها شيء أشبه بالمعدة والأمعاء واحاطت به أضلاع غاية في الصغر والدقة كما لها أعصاب وعضلات ظريفة تتناسب مع حاجتها ويتولى دماغها الصغير إدامة حياتها المعقدة، ولأرجلها مفاصل مختلفة ولكلّ مفصل وظيفة معينة على غرار مفاصل الحيوانات الكبرى.
ثم خلص الإمام عليه السلام ممّا سبق إلى هذه النتيجة فقال:
«فَتَعَالَى الَّذِي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا، وبَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِهَا! لَمْ يُشْرِكْهُ فِي فِطْرَتِهَا فَاطِرٌ، ولَمْ يُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ».
فقد لفت الإمام عليه السلام في هذه العبارة انتباه الجميع إلى موضوعين:
وهوأنّ اللَّه سبحانه وتعالى خلق هذا الجسد الظريف على يد ورجل ظريفة تستطيع حمله بل أحياناً تحمل حملًا ثقيلًا يفوق دفعة أضعاف وزنها، والغريب أنّها
[١]. «شراسيف» جمع «شُرسُوف» بمعنى الاضلاع التي تشرف على البطن.