نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٧ - الشرح والتفسير أضواء مهمّة في صفات اللَّه
قلنا كراراً أنّ اللَّه وجود لا متناهٍ من جميع الجهات ولا يستوعبه فكرنا المحدود، ولهذا فهو أسمى من الخيال والقياس والظن والوهم، فإن قيل: فكيف نعرف اللَّه؟
نقول: عن طريقين رئيسيين؛ الأوّل الإشارة إلى آثاره وأفعاله التي ملأت عالم الوجود وكلّما أمعنا النظر في شيء رأيناه إجمالًا خلفه، والآخر عن طريق تحليل حقيقة الوجود التي تنتهي إجمالًا بواجب الوجود والذي يصطلح عليه (برهان الصديقين) والذي أشير إليه في الأحاديث والأدعية بعنوان
«يا مَنْ دَلَّ عَلى ذاتِهِ بِذاتِهِ»
وهو أيضاً علم إجمالي؛ لا علم بكنه وحقيقة ذاته الخارجة عن متناول جميع الأفكار بما فيها أفكار الأنبياء والأولياء.
كما توضح هذه النقطة أنّ كلّ شيء قائم بآخر سواء بصورة عرض عارض على ذلك الشيء أو بصورة وجود جوهري متوقف عليه، على كلّ حال معلول آخر واللَّه تعالى واجب الوجود ليس بمعلول؛ بل هو القيوم؛ أي القائم بذاته وقيام الآخرين به.
ثم أشار عليه السلام إلى أفعاله وتدبيره وغناه فقال:
«فَاعِلٌ لَابِاضْطِرَابِ آلَة، مُقَدِّرٌ لَا بِجَوْلِ [١] فِكْرَة، غَنِيٌّ لَابِاسْتِفَادَة».
لأنّ الشخص إنّما يستعين في عمله بالوسائل والأدوات من حيث كانت قدرته محدودة ولابدّ له من الاستفادة والاستعانة بتلك الوسائل ومن يحتاج في تدبيره الفكر والمطالعة فإنّما يعزى ذلك لمحدودية علمه وهذا ما يدفعه لزيادة فكره ومطالعاته؛ أمّا من كان علمه وقدرته لامتناهيان فهو غني عن كلّ ذلك كما أنّ جميع الأغنياء غيره يصبحون أغنياء عن طريق كسب المال والمقام وأمثال ذلك من خارج وجودهم أمّا اللَّه تعالى فهو الغني بالذات.
قال تعالى في القرآن الكريم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوالْغَنِىُّ الْحَمِيدُ» [٢].
[١]. «جول» و «جولان» بمعنى الحركة في كل اتجاه وجولان الفكر بمعنى التفكير.
[٢]. سورة فاطر، الآية ١٥.