التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٨ - ميزات تفسير التابعي
و ثالثا: النظر و الاجتهاد. كانت هي ميزة كبرى حُظي بها عهد التابعين، أن قام عديد من كبار العلماء ذاك العهد، فأعملوا النظر في كثير من مسائل الدين، و منها مسائل قرآنيّة، كانت تعود إلى: معاني الصفات، و أسرار الخليقة، و أحوال الأنبياء و الرسل، و ما شاكل.
فكانوا يعرضونها على شريعة العقل، و يحاكونها وَفق حكمه الرشيد، و ربّما يُؤوّلونها إلى ما يتوافق مع الفطرة السليمة.
و أوّل مدرسة أخذت في الاجتهاد و إعمال النظر لاستنباط معاني القرآن، مدرسة مكّة، التي أشادها الصحابيّ الجليل تلميذ الإمام أمير المؤمنين عليه السلام الموفّق، عبد اللّه بن عبّاس. و كان متخرّجوا هذه المدرسة هم الذين أسّسوا بنيان الاجتهاد في التفسير، و على يدهم شاعت و ذاعت طريقة الاجتهاد في مناحي الشريعة المقدّسة، على الإطلاق.
ثمّ مدرسة الكوفة، تأسّست على يد عبد اللّه بن مسعود، و تخرّجت منها علماء أفذاذ، أصحاب نظر و اجتهاد. و أصبحت مدرسة الكوفة بعدئذ معهد الدراسات الإسلاميّة، يقصدها روّاد العلم من جميع أطراف البلاد؛ حيث محطّ جُلّ الصحابة، و لا سيّما بعد مهجر الإمام أمير المؤمنين عليه السلام. فقد ارتحل إليها العلمُ برمّته، و أخذت مجامع الكوفة تحتضن الكبار من علماء الإسلام يومذاك، و عليهم دارت رحى العلم و فاضت ينابيع المعارف إلى أرجاء البلاد.
و لم تدم مدرسة مكّة طويلًا، و أخذت بالأُفول بعد وفاة صاحبها و مؤسّسها عام (٦٨ ه.) و تفرّق متخرّجيها و انتشارهم في أكناف الأرض. فقد ارتحلوا إلى خراسان و مصر و الشام و سائر الديار. غير أنّ مدرسة الكوفة أخذت تزدهر و تزداد صيتا و نشاطا مع تقادم الأيّام.
و هاتان المدرستان هما الأساس لنشر العلم و بثّ المعارف بين العباد، و إن كانت إحداهما أخذت في الاندثار، بينما الأخرى استمرت في الازدهار و التوسّع و الانتشار.
و أكثر العلماء التابعين بل الغالبيّة الساحقة، هم المتخرّجون من هاتين المدرستين. فكان لهما الفضل الكبير على الامّة، في تثقيفهم و التنشيط في السعي وراء العلم و المعرفة.