التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٧ - قيمة تفسير الصحابي
قيمة تفسير الصحابيّ
ممّا يجدر التنبّه له أنّ الدور الأوّل على عهد الرسالة، كان دور تربية و تعليم، و لا سيّما بعد الهجرة إلى المدينة، كان النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قد ركّز جُلّ حياته على تربية أصحابه الأجلّاء و تعليمهم الآداب و المعارف، و السنن و الأحكام و ليجعل منهم «أُمَّةً وَسَطاً ليكونوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ»[١]، فقد جاء صلى الله عليه و آله و سلم ل- «يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ»[٢].
و لا شكّ أنّه صلى الله عليه و آله و سلم فعل ما كان من شأنه أن يفعل و ربّى من أصحابه ثُلّةً من علماء ورثوا علمه و حملوا حكمته إلى الملأ من الناس.
و إذا كان القرآن «تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ»[٣]، و قد بلّغه النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم إلى الناس، فقد بيّن معالمه و أرشدهم إلى معاني حِكمه و معاني آياته؛ إذ كان عليه البيان كما كان عليه البلاغ «وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ»[٤].
و هل كان دور النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في أُمّته، و في أصحابه الخُلّص بالخصوص، سوى دور معلِّم و مرشد حكيم؟ فلقد كان صلى الله عليه و آله و سلم حريصا على تربيتهم و تعليمهم في جميع أبعاد الشريعة، و بيان مفاهيم الإسلام.
هذا من جهة، و من جهة اخرى، فإنّ من صحابته الأخيار- ممّن رضي اللّه عنهم و رضوا عنه- من كان على وفرة من الذكاء، طالبا مُجدّا في طلب العلم و الحكمة و الرشاد، مولعا بالسؤال و الازدياد من معارف الإسلام، و كانوا كثرة من ذوي النباهة و الفطنة و الاستعداد «رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ»[٥]، و استقاموا على الطريقة، فسقاهم ربّهم «ماءً غَدَقاً»[٦].
[١] -. البقرة ١٤٣: ٢.
[٢] -. الجمعة ٢: ٦٢.
[٣] -. النحل ٨٩: ١٦.
[٤] -. النحل ٤٤: ١٦.
[٥] -. الأحزاب ٢٣: ٣٣.
[٦] -. الجنّ ١٦: ٧٢.